القوى السياسية الحضرمية

معالم الوضع الراهن بين التحديات والفرص المستقبلية

الخميس, 20 مارس / آذار 2025

نجلاء العزي

نجلاء العزي

مدخل:
في وقت يشهد فيه الوضع السياسي في حضرموت توتراً متزايداً وتصاعدًا ملحوظًا، برزت مواقف حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع بوصفها قوى سياسية رئيسة في مواجهة السلطة المحلية بحضرموت والحكومة المركزية المتمثلة في مجلس القيادة الرئاسي اليمني. 

وفي بيان صادر عن الناطق الرسمي لحلف قبائل حضرموت) الكعش السعيدي(، عبّر الحلف مع مؤتمر حضرموت الجامع عن خيبة الأمل إزاء نتائج اجتماع مجلس القيادة الرئاسي الذي عُقد الثلاثاء 14 من يناير 2025، ورأوا أن مخرجات الاجتماع لم تلبِ تطلعات أبناء حضرموت، ولم تُمهد الطريق لتنفيذ الاستحقاقات التي تم الاتفاق عليها سابقًا في خطة "تطبيع الأوضاع" في المحافظة وفقاً لمطالب بيان مؤتمر حضرموت الجامع في 13 يوليو 2024 التي تمحورت غالبيتها حول مطالب اقتصادية وإدارية أبرزها تغطية السوق المحلي بالوقود المدعوم، وإنشاء مستشفى حكومي عام، ودفع الحكومة لمستحقات الكهرباء، وتوسعة مصفاة "بترومسيلة"، وتخصيص نسب واضحة وثابتة لتوظيف أبناء حضرموت في المنشآت النفطية والسلك العسكري والمدني بالمحافظة. 

وعلى الرغم مما يبديه مجلس القيادة الرئاسي من محاولات لتوجيه الحكومة للإشراف على تحسين قطاعات رئيسة مثل الكهرباء والصحة في حضرموت، ورفع مستوى مشاركة أبناء المحافظة في القوات المسلحة والأمن، فإن موقف حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع الذي يرأسهما الشيخ القبلي البارز ووكيل أول محافظة حضرموت/ عمرو بن حبريش- يظل مشوبًا بالغضب، إذ يُنظر إلى هذه الإجراءات على أنها محاولات غير جادة، وهي فقط للاستهلاك الإعلامي والتراجع عن التزامات سابقة، فضلاً عن كونها محاولات تسعى لإفشال التحركات المجتمعية المطالبة بتنفيذ مطالب أبناء حضرموت المستحقة. 

  هذه التطورات تُظهر بوضوح أن محافظة حضرموت على مفترق طرق حاسم، إذ تتزايد التحديات السياسية والاجتماعية التي قد تعرقل استقرار المحافظة وأمنها وتنميتها، ومع تصعيد المواقف وتزايد المشهد التفاعلي بين القوى المحلية والحكومة المركزية يبدو أن هذا التصعيد قد يخلق بيئة سياسية معقدة يمكن أن تؤثر بشكل كبير على الاستقرار الاجتماعي والسياسي في حضرموت. 

  تهدف هذه الورقة إلى تقديم تقدير موقف معمق حول القوى السياسية والكيانات المؤثرة في محافظة حضرموت، مع التركيز على تحليل الوضع الراهن لهذه القوى في المشهد السياسي المحلي. كما ستستعرض الورقة التحديات الجوهرية التي تواجه هذه القوى في سعيها إلى تحقيق أهدافها. وفي هذا السياق، ستناقش الورقة كيفية تحويل هذه التحديات إلى فرص استراتيجية يمكن استغلالها لتعزيز تأثير القوى السياسية في حضرموت، بما يخدم تطلعات سكان المحافظة، ويسهم في تحقيق التنمية المستدامة والاستقرار على الأصعدة المختلفة.

حضرموت ضمن سياق الأحداث والمتغيرات السياسية في اليمن 
   تعد محافظة حضرموت واحدة من أكثر المحافظات أهمية وتأثيراً في اليمن، نظرًا إلى موقعها الاستراتيجي والاقتصادي الذي يضعها في قلب المشهد السياسي اليمني، وما يحيط بها من تطورات سياسية متسارعة في السياق الوطني والإقليمي.

     ففي السنوات الأخيرة، باتت حضرموت نقطة ارتكاز للأحداث السياسية والاقتصادية ضمن سياق الأزمات التي تعصف بالبلاد، إذ تلعب دورًا محوريًا في المشهد السياسي على الرغم من تباين الأطراف الفاعلة التي تسعى إلى النفوذ في المحافظة. ومن جهة أخرى أصبحت تواجه تحديات جسيمة، سواء على صعيد الأمن أم الاقتصاد أم السياسة، بسبب تأرجحها بين محاور القوى السياسية الداخلية والخارجية، في ظل تزايد التدخلات الإقليمية والأجندات المتناقضة التي تسعى كل واحدة منها إلى فرض نفسها على المشهد الحضرمي بشكل خاص والمشهد اليمني بشكل عام. 

  إن أحد العوامل الرئيسة التي جعلت حضرموت نقطة ارتكاز في الأحداث هو موقعها الجغرافي، إذ تعد أكبر محافظة في اليمن من حيث المساحة، وتُمثل بوابة رئيسة للبحر العربي، وتعد شريانًا حيويًا يربط اليمن بدول الخليج العربي. هذا الموقع جعلها محط أنظار القوى الإقليمية، فنجد أن دولاً إقليمية مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تتسابق لتعزيز نفوذها في المحافظة عبر دعم جماعات محلية وأحزاب سياسية في ظل احتدام الصراع على مستوى الدولة. 

  من جهة أخرى، شهدت حضرموت نوعًا من الاستقرار النسبي اللافت مقارنة ببقية المناطق اليمنية، مما زاد من جاذبيتها كونها نقطة مهمة ضمن سياق الأحداث والمتغيرات السياسية في اليمن. ويعود هذا الاستقرار إلى أسباب رئيسة عدة أسهمت بشكل حيوي في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المتماسك، مما حدّ من تفشي الصراعات المحلية وجعل المحافظة أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات السياسية والأمنية المتسارعة. ومن أهم هذه الأسباب: تماسك البنية الاجتماعية في المحافظة، إذ لعبت جميع مكوناتها أدوارًا حيوية في تعزيز الأمن الاجتماعي والسياسي. كما أن أدوار النخب والفاعلين المحليين، ونشاط منظمات المجتمع المدني، كانت أساسية في تعزيز الحوار الداخلي وتخفيف حدة التوترات. وفضلاً عن ذلك أسهمت الإدارة المتوازنة للسلطة المحلية في المحافظة على استقرار نسبي، مما أتاح للسلطة المحلية إبراز قدر من الفاعلية أمام التحديات الإقليمية والمحلية. 

     ومن المهم الإشارة إلى أن هذا الاستقرار النسبي جعل من حضرموت نقطة جذب للمساعدات الإنسانية والاستثمار الخارجي، كما منحها هامشًا من المناورة في مواجهة الضغوط المحلية والإقليمية، مما عزز من دورها المحوري في المشهد اليمني.

    العامل الآخر الذي جعل حضرموت نقطة مهمة في الأحداث هو أنها واحدة من المحافظات التي تتمتع بنوع من الاستقلالية النسبية عن السلطات المركزية، ولاسيما بعد طرد تنظيم القاعدة من ساحل حضرموت في العام 2016م، وهذا الوضع منحها هامشًا من المناورة جعلها نقطة جذب لمختلف الفاعلين السياسيين، لكنه في الوقت نفسه، جعل منها ساحة تنافس بين أطراف متعددة، بداية من القوى المحلية وصولًا إلى القوى الإقليمية. وهذا التعدد في القوى المؤثرة يعكس بشكل جلي تعقيد الوضع السياسي في حضرموت، فالمحافظة ليست مجرد طرف في الصراع اليمني، بل هي مركز من مراكز التفاعلات السياسية التي تربط اليمن بالإقليم الأوسع.

وأصبحت محافظة حضرموت خلال مدة الحرب إحدى الملاذات الآمنة للنازحين من المحافظات التي كانت مركزاً للنزاع والصراع بين الأطراف اليمنية، مما جعلها وجهة رئيسة للمواطنين النازحين من مناطق الصراع. وعلى الرغم من الضغوطات والتحديات الكبرى التي فرضتها الحرب فإن حضرموت نجحت في الحفاظ على مستوى جيد من البنية التحتية والخدمات العامة مقارنةً بالمحافظات الأخرى التي تعرضت لدمار كبير نتيجة الصراعات المستمرة والقصف، وهو ما منح حضرموت ميزة استراتيجية، وعزز من قدرتها الاقتصادية والاجتماعية، وجعلها نقطة جذب رئيسة للمساعدات الإنسانية والاستثمار، في وقت كانت فيه المحافظات الأخرى تعاني من تدهور شديد في الأمن والخدمات.

    وفي الجانب الاقتصادي، تُشكل الموارد الطبيعية في حضرموت لاسيما النفط والغاز عاملاً حاسمًا في تشكيل مستقبل حضرموت، وتحديد شكل التنافس بين الأطراف المختلفة. فالمحافظة تملك ما يقارب نصف احتياطيات النفط في اليمن مما يضاعف من أهميتها الاقتصادية في ظل التحديات التي يواجهها البلد، ويجعلها نقطة محورية في الصراع السياسي الجاري في اليمن، وأيضاً محط أنظار القوى الإقليمية والدولية. 

   غير أن الاستفادة الكاملة من هذه الموارد تتطلب استقرارًا سياسيًا وأمنيًا طويل الأمد وقراراً سياديا مستقلاً، وهو أمر يظل بعيد المنال في ظل التحولات والصراعات المستمرة في الساحة المحلية والإقليمية. فالاستثمار في البنية التحتية والطاقة يتطلب استقرارًا سياسيًا وأمنيًا طويل الأمد، وتنسيق فعّال بين المكونات والسلطات المحلية والمركزية.  

حضرموت تحت وطأة التدهور: معاناة مستمرة في الخدمات العامة والبنى التحتية
  عانت محافظة حضرموت في الآونة الأخيرة، من تدهور ملحوظ ومستمر في جودة الخدمات الرئيسة والبنية التحتية، وهو ما يعكس واقعًا معقدًا ينعكس بشكل سلبي على حياة المواطنين ويُفاقم من معاناتهم. 
   ففي قطاع الكهرباء، تعاني مدينة المكلا ومناطق ساحل حضرموت من أزمة كهرباء خانقة، إذ يعاني المواطنون من انقطاعات مستمرة للتيار الكهربائي تصل إلى 12 ساعة يوميًا وقد تزيد في أكثر الأحيان، مما يتسبب في اضطرابات حياتية واسعة النطاق، ويعطل بشكل كبير الأنشطة اليومية، لا سيما في الصيف إذ تزداد معاناة المواطنين. 

  وفي الوقت نفسه، تفرض مؤسسة الكهرباء فواتير مرتفعة وغير مبررة للمواطنين، إذ يعكس استهلاكهم الفعلي أقل بكثير مما يتم تحصيله من المبالغ، مما يعمق معاناتهم المالية. وفضلاً عن ذلك، تفرض المؤسسة غرامات تعسفية على المواطنين بسبب ما يُزعم عن مخالفات تتعلق بالاستهلاك، أو تركيب خطوط كهرباء غير قانونية، وهو ما يمثل عبئًا إضافيًا على الأسر في وقت يعانون فيه من تدهور الأوضاع الاقتصادية. إن تفاقم هذه الأزمات في قطاع الكهرباء يزيد من حدة الاستياء العام، ويعكس فشل الجهات المعنية في توفير خدمة رئيسة تلبي الاحتياجات الأساسية للمواطنين في ظل الأوضاع الراهنة.

   وفي القطاع الصحي، تشهد المستشفيات والمراكز الصحية نقصًا حادًا في الأجهزة والأدوية والمستلزمات الطبية، فضلاً عن محدودية الكوادر الصحية المؤهلة، التي تفاقمت بسبب شحة الدعم الحكومي فضلاً عن هجرة الكفاءات الطبية نتيجة للأزمة المستمرة في البلاد. هذا النقص في الموارد يُؤثر بشكل كبير في تقديم الخدمات الصحية، لاسيما في المناطق الريفية والنائية التي تعاني من نقص في المراكز الطبية الرئيسة، مما يضع عبئًا ثقيلًا على السكان الذين يعجزون عن الوصول إلى الرعاية الصحية الملائمة.

  أما في قطاع التعليم، فقد تدهورت البنى التحتية لعدد من المدارس، إذ تفتقر إلى التجهيزات الأساسية والمرافق اللازمة، في حين يعاني القطاع من ضعف في جودة التعليم نتيجة لندرة المعلمين المؤهلين، وتدني مستوى التدريب المستمر، ما يؤدي إلى زيادة معدلات التسرب المدرسي، ويؤثر بشكل سلبي على مستقبل التعليم وجودته والأجيال القادمة. 

  وفضلاً عن ذلك، تعاني البنية التحتية للنقل من تدهور كبير، إذ تفتقر الطرق الرئيسة التي تربط المكلا ببقية المدن إلى الصيانة اللازمة وشق طرق جديدة مؤهلة، ممّا يعيق الحركة التجارية ويزيد من تكاليف النقل، ويؤثر على قدرة المواطنين في الوصول إلى الخدمات الرئيسة. 
  إن هذا التدهور المستمر في البنية التحتية والخدمات يسهم في تعميق الأزمة الإنسانية والاقتصادية في المحافظة، مما يعقد من الوضع المعيشي وتلبية احتياجات المواطنين ويعزز من فقدان الثقة بالسلطة المحلية والسلطة المركزية.

القوى الفاعلة في حضرموت: تطلعات الاستقلالية ومواجهة التهميش 
    يشهد المشهد السياسي في حضرموت تعدداً كبيراً في القوى الفاعلة التي تختلف في رؤاها وطموحاتها، لكن جميعها تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على مستقبل المحافظة.

  إن الأهمية التي تحتلها حضرموت ضمن سياق الأحداث والمتغيرات السياسية في اليمن بما في ذلك الاستقرار النسبي الذي تنعم به، قد أسهمت بشكل فاعل في تمكين عدد من القوى المحلية التي تعمل على بناء رؤى سياسية مستقلة تسعى إلى المطالبة بالحكم الذاتي أو تعزيز الاستقلالية، إذ ترى غالبية هذه القوى أن حضرموت تعرضت ومازالت لتهميش مستمر على مدار مراحل النزاع والصراع اليمني، ويتم استغلال مواردها وثرواتها الطبيعية دون النظر إلى احتياجاتها التنموية من مشاريع وخدمات. 

 لقد شكّل هذا الوضع دافعًا رئيسًا لهذه القوى للمطالبة بتوسيع نطاق الاستقلالية المحلية لحضرموت وصولاً إلى المطالبة بتحديد شكل العلاقة مع السلطات المركزية بشكل يعكس خصوصية المحافظة، مما منح الزخم لظهور دعوات لتطوير نموذج حكم ذاتي يتلاءم مع الأولويات والمصالح الخاصة بأبناء المحافظة.

وعلى الرغم من تنوع هذه القوى في أهدافها ورؤاها، فإنها تتقاطع حول مسألة استقلالية حضرموت، وهو ما يضعها في صلب الصراع السياسي المحلي والإقليمي، إذ تتباين الرؤى حول كيفية تنظيم الحكم وتوزيع السلطة والموارد، فضلاً عن كيفية ضمان إدارة محلية فاعلة للموارد الطبيعية واستثمار الفرص الاقتصادية المتاحة للمحافظة بما يضمن تحسين واقعها التنموي والاجتماعي.

  وعلى مدار العقد الأخير، شهدت حضرموت بروز عدد من القوى السياسية المحلية الطامحة إلى تعزيز مكانة المحافظة بوصفها كياناً سياسياً واقتصادياً وجغرافياً مستقلاً. ووفقًا لأدبيات هذه القوى، فإنها تسعى إلى تحقيق آمال المواطنين الحضارم وتطلعاتهم في إدارة شؤونهم السياسية والاقتصادية بشكل ذاتي، بعيدًا عن الهيمنة المركزية. ومن أبرز هذه القوى: مؤتمر حضرموت الجامع، وحلف قبائل حضرموت، وكذلك مجلس حضرموت الوطني الذي يُعد من أحدث القوى السياسية في المحافظة. وفضلاً عن هذه الكيانات، تبرز أيضًا أطراف سياسية أخرى مثل المجلس الانتقالي الجنوبي، والتجمع اليمني للإصلاح، والحراك الجنوبي.

   وضمن هذا السياق، ستتناول هذه الورقة أهم القوى والكيانات السياسية الحاضرة حاليًا في المشهد السياسي الحضرمي، والتحديات الرئيسة التي تواجهها هذه القوى. كما سيتم استعراض الفرص المتاحة أمامها وكيفية استثمارها لتحقيق أهدافها بما يسهم في تعزيز دورها في صياغة مستقبل حضرموت على الأصعدة المحلية والإقليمية.
1-مؤتمر حضرموت الجامع 
    هو تجمع سياسي واجتماعي تأسس في 22 من أبريل عام 2017 بهدف جمع القوى السياسية والمجتمعية في محافظة حضرموت لتعزيز التنسيق والتعاون من أجل تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي في المحافظة. ويضم المؤتمر مكونات سياسية، وقبلية، واجتماعية متنوعة، ويجمع بين شخصيات مختلفة الأطياف الفكرية والسياسية.

   وتمثّل إعلان مؤتمر حضرموت الجامع التأسيسي بما يسمى " وثيقة مؤتمر حضرموت الجامع" التي تتضمن عدداً من الرؤى والأهداف، كان من أهمها أن تكون حضرموت إقليمًا مستقلاً بذاته وفق جغرافيتها المعروفة، وأن يُحافظ على الهوية الحضرمية، وأن تكون مستقلة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وإدارياً، ويكون لها نسبة مشاركة بواقع 40% في السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، وأن تكون حضرموت بمنطقة عسكرية واحدة بقيادة حضرمية، وفضلاً عن ذلك يمنح برلمان حضرموت الحق في تصديق وتوقيع الاتفاقيات والمعاهدات والعقود في مجال الأسماك والاستكشافات النفطية والمعدنية والغاز وعقود الاستثمار داخل حضرموت. 

  وحالياً، يتفق مؤتمر حضرموت الجامع مع مطالب حلف قبائل حضرموت ويقودان احتجاجات مستمرة وتصعيدية ضد السلطة المحلية والسلطة المركزية. 
    أما على الصعيد الإقليمي، فقد اتخذ المؤتمر نهجًا مرنًا في التعامل مع الأطراف الإقليمية المؤثرة، مثل السعودية والإمارات، وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع البلدين لتأمين مواقف متوازنة تضمن للمؤتمر حيزًا من التأثير على مستقبل حضرموت في أي تسوية سياسية مستقبلية.

2-حلف قبائل حضرموت 
    حلف قبائل حضرموت هو تكتل قبلي مكون من عدد من القبائل البارزة في محافظة حضرموت تم تشكيله ضمن سياق التطورات السياسية والأمنية التي شهدتها اليمن وحضرموت خاصة خلال السنوات الأخيرة.

تأسس الحلف في إطار سعي القبائل لتأمين مصالحها وحماية حقوقها السياسية والاجتماعية، فضلاً عن الاستجابة للواقع الأمني والاقتصادي المتدهور الذي تشهده حضرموت في ظل النزاعات المستمرة والصراع السياسي في اليمن. ويهدف الحلف إلى توحيد القوى القبلية في المحافظة، وتعزيز حضورها السياسي والاجتماعي في المشهد الوطني، والمطالبة بحقوق أبناء حضرموت الذين يشعرون بأنهم تعرضوا للتهميش المستمر على مدار عقود على الرغم من امتلاك محافظتهم ثروات طبيعية عدة تشكل جزءاً كبيراً من موارد البلاد. 

وأُشهر حلف قبائل حضرموت في 7 من يوليو العام 2013، بعد أن تجمع عدد من الوفود الحضرمية القبلية من مناطق مختلفة من محافظة حضرموت في وادي نحب، استجابة لدعوة من قبائل الحموم، إذ تم توقيع وثيقة تأسيس "حلف قبائل حضرموت". وفي هذا التجمع، تم انتخاب الشيخ/ سعد بن حمد بن حبريش رئيسًا للحلف لمدة محددة. 

وفي ديسمبر 2013، أعلن عن مقتل بن حبريش على يد جنود إحدى النقاط العسكرية التابعة للجيش اليمني، ومن ثم أطلق حلف قبائل حضرموت "الهبة الشعبية" مطالبًا بتسليم قتلة الشيخ/ بن حبريش، وانسحاب القوات الأمنية من نقاط حضرموت، وتحسين الخدمات وتمكين أبناء المحافظة من إدارة شؤونهم. وتوسعت مطالب الحلف لتشمل قضايا حقوقية وسياسية واسعة، مما أدى إلى دعم شعبي كبير من القوى السياسية والاجتماعية المختلفة في المحافظة.
تولى رئاسة حلف قبائل حضرموت المقدم/ عمرو بن سعد حبريش، ومن ثم رئاسة مؤتمر حضرموت الجامع، الذي تأسس في 2017، وأصبح الحلف مع المؤتمر ضمن طليعة القوى التي تتبنى مطالب حضرموت، مع تأييد واسع من المكونات المحلية.

وفي ديسمبر 2021، انطلقت الهبة الثانية احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، إذ بدأ الحراك في حرو بوادي حضرموت، وامتد إلى اعتصام العيون في الهضبة الحضرمية. وتضمنت المطالب منع تصدير النفط والموارد الأخرى إلى حين تلبية احتياجات السوق المحلي. وعلى الرغم من تراجع المحتجين عن هذه الخطوات، فقد أظهرت الهبات استمرار الحراك الشعبي في الضغط من أجل حقوق حضرموت وتحقيق مطالبها.

من خلال هذه الهبات والاحتجاجات الأخيرة التصعيدية، يبدو أن حلف قبائل حضرموت، بالتعاون مع مؤتمر حضرموت الجامع، قد نجح في تفعيل الحراك الشعبي وتحشيد الدعم الشعبي للمطالب الحضرية، ما يسهم في تعزيز وجودهما بوصفها قوى سياسية فاعلة في الساحة المحلية. كما يعكس هذا التصعيد المستمر قدرة هذه القوى على التأثير في سياسة الحكومة المركزية ودفعها نحو إعادة النظر في الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية في حضرموت.
وعلى الصعيد الإقليمي يستخدم الحلف السياسة نفسها التي يستخدمها مؤتمر حضرموت الجامع من حيث النهج المرن في التعامل مع الأطراف الإقليمية المؤثرة مثل السعودية والإمارات وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع البلدين. 

3-مجلس حضرموت الوطني
   تأسس مجلس حضرموت الوطني في 20 يونيو 2023 في الرياض-المملكة العربية السعودية، ليكون ممثلًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وأمنيًا وثقافيًا لأبناء حضرموت في الداخل والخارج. 

وقد جاء تأسيس المجلس عقب مشاورات شاملة بدأت في مايو 2023، شاركت فيها شخصيات سياسية واجتماعية منتمية لقوى ومكونات حضرمية أخرى. وأسفرت عن صياغة ميثاق شرف يحدد المبادئ والالتزامات التي سيعمل الأعضاء المؤسسون على الالتزام بها. وتم تعيين الأعضاء المؤسسين من بين شخصيات بارزة، بما في ذلك الوزراء الحضارم في الحكومة، ومحافظ حضرموت ووكلائها، والنواب الحضارم، فضلاً عن القادة العسكريين والأمنيين من أبناء المحافظة.

 وتستند التزامات مجلس حضرموت الوطني ومبادئه إلى تعزيز وحدة حضرموت وحق أبنائها في إدارة شؤونهم الاقتصادية والسياسية والأمنية، مع الإقرار بالتعددية السياسية والاجتماعية في المحافظة. وأكد المجلس على التزامه بالأهداف المشتركة مع تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، وعلى حيادية رئيس مجلس القيادة الرئاسي وأعضائه، وعدم استخدام مهامهم الدستورية لتحقيق مكاسب سياسية. 

   وقد طالب المجلس بحق أبناء حضرموت في المشاركة العادلة في اتخاذ القرارات السيادية، وتمثيلهم في الهيئات الحكومية والبرلمانية بما يضمن حماية مصالحهم. وتعهد المجلس من خلال مبادئه المعلنة بتحييد مؤسسات الدولة الخدمية والعسكرية عن الخلافات السياسية لضمان عدم الإضرار بالمصالح العامة. كما دعا إلى المشاركة في صياغة إعلان مبادئ يضمن تماسك الجبهة الداخلية، وحماية الأمن والسلم الدولي، وأكد دعمه لإجراءات تدريجية تهدف إلى معالجة المظالم والانتقال إلى التسوية السياسية، مع الحفاظ على حق المجتمعات المحلية في تقرير مصيرها.

وأكّد مجلس حضرموت الوطني بأنه لا يحلُّ مكان القوى والكيانات الحضرميَّة القائمة، بل يسعى إلى التنسيق والتعاون مع جميعها بما يضمن تحقيق المصلحة العليا لحضرموت.  
وتعد المملكة العربية السعودية الداعم الرئيس لمجلس حضرموت الوطني، والراعية لكل مشاورات المجلس وهيئة رئاسته وفعالياتهم وتحركاتهم. 

4-المجلس الانتقالي الجنوبي ونشاطه في حضرموت 
   تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي في مايو 2017 في عدن، ليكون ممثلًا سياسيًا وعسكريًا لأبناء الجنوب اليمني. وجاء تأسيس المجلس استجابة للتحديات التي واجهها الجنوب في ظل غياب تمثيل فعّال في النظام السياسي اليمني، ويعكس رغبة القوى السياسية والعسكرية في الجنوب باستعادة الدولة الجنوبية أو تعزيز حكم ذاتي موسع ضمن الوحدة اليمنية، ويترأس المجلس عيدروس الزبيدي، الذي كان قد شغل سابقًا منصب محافظ عدن، وحالياً هو أحد أعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني. ويضم المجلس الانتقالي في صفوفه عددًا من القادة السياسيين والعسكريين من أبناء الجنوب، فضلاً عن تشكيلات ولجان عدة تدير المجالات السياسية والأمنية المختلفة.

   يهدف المجلس إلى استعادة الدولة الجنوبية أو الحصول على حكم ذاتي موسع، وتعزيز الأمن والاستقرار في المناطق الجنوبية من خلال مكافحة التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش، فضلاً عن سعيه لضمان تمثيل الجنوب بشكل عادل في أي حل سياسي مستقبلي. وعلى الرغم من كونه جزءًا من التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، فإنه قد خاض صراعات مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، لاسيما عام 2019، عندما تصاعدت المواجهات المسلحة في عدن بين قوات المجلس والحكومة، وأيضاً في العام 2020 عندما أعلن المجلس الانتقالي عن حكم ذاتي في الجنوب، وهو ما فاقم التوترات مع الحكومة اليمنية، لاسيما في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية.

وفيما يتعلق بنشاط المجلس الانتقالي في حضرموت، فقد عمل المجلس على استيعاب عدد من الشخصيات الحضرمية في صفوفه، ساعيًا إلى التأثير في الحراك الحضرمي المتزايد، ومحاولة توجيه هذا الحراك نحو تبني خطاب المجلس الانتقالي الداعي إلى استعادة الدولة الجنوبية. ومع ذلك، ففي حين نجح المجلس في إقناع بعض الأفراد في حضرموت، إلا أنه فشل في الواقع في اختراق الكتل الحضرمية الكبرى مثل حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع، اللذين كانا يمثلان أهم مكونات حضرموت السياسية والاجتماعية الرئيسة، مما دفعه إلى محاولة استخدام آليات بديلة لتحقيق أهدافه.

 وكانت من بين هذه الآليات، محاولات المجلس الانتقالي تشكيل تحالفات جديدة داخل حضرموت من أبرزها تشكيل "كُتلة حلف وجامع حضرموت من أجل حضرموت والجنوب"، وهي كتلة انشقت عن مؤتمر حضرموت الجامع وحلف قبائل حضرموت، مدعومة من المجلس الانتقالي. وسعى الانتقالي من خلال هذه الكتلة، إلى تصعيد خطابه تجاه حضرموت، وركز على مسألة المنطقة العسكرية الأولى واصفاً إياها بأنها مسألة خطيرة كون هذه المنطقة تدار من قبل قيادات عسكرية شمالية. وقد طالبت بيانات المجلس الانتقالي بخروج هذه القوات من وادي حضرموت، وأكدت على ضرورة تحرير الوادي من هذه الوحدات العسكرية وإحلال وحدات عسكرية حضرمية جنوبية بدلاً عنها.

وعلى الرغم من هذه المحاولات، فإن المجلس لم ينجح في تغيير المواقف الثابتة للمكونات الكبرى في حضرموت، حيث كانت المواقف الحضرمية من دعوات الانتقالي إلى تفعيل المطالب الانفصالية واضحة في رفضها. وقد تجسد هذا الرفض في عدد من البيانات التي أصدرتها المكونات الحضرمية الكبرى، وفي مقدمتها حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع، فضلاً عن عدد من المكونات الأخرى، التي أظهرت موقفًا موحدًا إلى حد ما في عدم التجاوب أو الاتفاق بشكل كلي مع خطط المجلس الانتقالي. 

  وإقليمياً، رعت الإمارات العربية المتحدة إنشاء المجلس الانتقالي الجنوبي وتأسيسه، ووفرت له كثيراً من الدعم اللوجستي، فيما يطغى التوتر في أحيان كثيرة على العلاقة بين المجلس الانتقالي والمملكة العربية السعودية.

التحديات التي تواجه القوى والكيانات الحضرمية 
 تواجه القوى والكيانات السياسية الحضرمية سلسلة من التحديات المعقدة التي تؤثر بشكل مباشر على قدرتها في تعزيز دورها السياسي والاجتماعي في محافظة حضرموت. وتنبع هذه التحديات من عوامل عدة داخلية وخارجية، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها في التأثير في المشهد السياسي وتحقيق أهدافها. يمكن تلخيص أبرز هذه التحديات في النقاط التالية:
1-الانقسام السياسي والصراع على النفوذ بين القوى الحضرمية
يمثل الانقسام السياسي الداخلي بين القوى والكيانات الحضرمية أحد أكبر التحديات التي تعيق التقدم السياسي المستدام في حضرموت. ففي الوقت الذي تشهد فيه هذه القوى تباينًا عميقًا في رؤاها ومواقفها تجاه عدد من القضايا السياسية المستقبلية، مثل العلاقة مع الحكومة اليمنية المركزية، والمواقف تجاه الأطراف الإقليمية والدولية، تزداد تعقيدًا الخلافات بين هذه القوى حول التوجهات المستقبلية إزاء القوى الجنوبية المختلفة. وهذا التباين الحاد يؤدي إلى ضعف التنسيق بين المكونات السياسية، مما يعيق عملية صياغة استراتيجية موحدة تضمن تحقيق مصالح حضرموت وأبنائها.

وفضلاً عن ذلك، هناك تنافس مستمر بين القوى والكيانات السياسية في النفوذ والسيطرة على المؤسسات السياسية والإدارية وهو ما يسهم في تعميق الانقسام السياسي، إذ تتنافس قوى وكيانات سياسية عدة على الهيمنة داخل المؤسسات الحكومية والمجال الإداري، وتسعى بعض القوى الحضرمية والجنوبية إلى تعزيز وجودها داخل هياكل الدولة، في حين تحاول الأخرى توسيع نفوذها في المجتمع المدني والمجال الاقتصادي مما يخلق بيئة من الاستقطاب السياسي. ويتفاقم الوضع حينما تتبنى بعض القوى مواقف متناقضة مما يؤدي إلى انحراف بوصلة العمل السياسي لصالح المصالح الضيقة، ويعطل الجهود التنسيقية لتوحيد الرؤى والأهداف العامة للمحافظة.

ونتيجة لهذا الانقسام والصراع على النفوذ، قد تفتقر القوى الحضرمية إلى القدرة على تبني موقف سياسي موحد، وهو ما يحد من قدرتها على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية الراهنة. هذا الوضع يُعوق الجهود المبذولة نحو تحقيق الاستقرار السياسي والتنمية المستدامة في حضرموت، مما يفاقم من الانقسامات الداخلية ويضعف قدرتها على المشاركة الفاعلة في المشهد السياسي الوطني والإقليمي والدولي.

2-التدخلات الإقليمية وتعقيداتها
تُشكل التدخلات الإقليمية من الدول المجاورة، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن التأثيرات الدولية الأخرى، تحدياًّ مهماً قد يعمل على عرقلة قدرة القوى الحضرمية في تحقيق استقلالها السياسي وصناعة القرار الوطني المستقل، وتسهم هذه التدخلات أيضاً في خلق بيئة معقدة تمزج بين الضغط السياسي والاقتصادي. إذ تسعى القوى الإقليمية إلى تعزيز مصالحها الخاصة من خلال دعم قوى سياسية معينة داخل حضرموت، وهو ما قد يعرض استقلالية القوى الحضرمية للخطر ويضعف قدرتها على تحديد مواقفها بعيدًا عن المصالح الخارجية. 

كما أن هذه التدخلات غالبًا ما تفرض تأثيرات غير مباشرة على خيارات القوى السياسية المحلية، مما يخلق نوعاً من الصراع بين مصالح القوى الحضرمية والمصالح الإقليمية المتباينة، وهو ما يؤدي إلى تعارضات استراتيجية على مستوى المشهد السياسي. 

وفضلاً عن ذلك، تسهم التوازنات السياسية الإقليمية والدولية في المنطقة، التي قد تكون على حساب المصلحة المحلية في زيادة تعقيد الوضع، إذ تنعكس هذه التوازنات سلبًا على حرية الحركة السياسية داخل حضرموت، وتحد من القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية تنبع من أولويات المواطنين وتطلعاتهم.

3-الأزمة الاقتصادية وتأثيرها
تُعد الأزمة الاقتصادية المستمرة في حضرموت والبلاد بشكل عام إحدى التحديات الأكثر تعقيدًا التي تعرقل الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المحافظة، إذ أسهم التدهور المالي المتمثل في انخفاض قيمة العملة المحلية، وضعف المرتبات وعدم انتظامها في تفاقم معدلات الفقر وتدهور مستوى المعيشة، مما يزيد من الاستياء الشعبي ويُغذي الانقسامات الداخلية. 

وهذه الأوضاع الاقتصادية تتسبب في تراجع القدرة على تحسين الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والكهرباء، ما يؤدي إلى تدهور عام في جودة الحياة. وتنعكس هذه الأزمات سلبًا على شرعية القوى السياسية الحضرمية، إذ يُضعف قدرتها على تقديم حلول فعّالة ومستدامة لاحتياجات المواطنين، ويؤثر على تعزيز مكانتها الشعبية والإسهام الفاعل في معالجة قضايا التنمية المحلية.

وضمن هذا السياق، تزداد مشاعر الإحباط بين المواطنين، ما يعزز حالة اللامبالاة، ويفاقم من انعدام الثقة في القوى السياسية المحلية ومن قدرتها في التأثير الإيجابي على الأوضاع الاجتماعية. ويبدو أن هذا الواقع يُقيّد قدرة القوى السياسية في حضرموت على تنفيذ برامج اقتصادية ذات طابع تنموي طويل المدى تتناسب مع تطلعات المواطنين الحضارم في تحسين ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية.

4-التواترات الأمنية والعسكرية
تلعب التوترات الأمنية والعسكرية دوراً كبيراً في تعقيد الوضع في حضرموت، إذ تسهم النزاعات المستمرة بين القوى العسكرية المتنوعة، سواء تلك التابعة للحكومة اليمنية أم المدعومة من القوى الإقليمية، في تأجيج حالة عدم الاستقرار في المحافظة وتضع العبء الأكبر على الأمن الداخلي لحضرموت، مما يؤدي إلى تصاعد التوترات الاجتماعية ويُعقد جهود القوى السياسية في معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية الملحة. كما أن الانتشار الواسع للقوات العسكرية التابعة لأطراف عدة داخل المناطق الحضرمية يحد من قدرة القوى المحلية على تنفيذ استراتيجياتها السياسية والتنموية، ويعرقل مساعيها في بناء بيئة آمنة ومستقرة تلبي تطلعات المواطنين. 

إن تنوع الأجندات العسكرية المحلية والإقليمية يفرض تحديات إضافية في صياغة سياسات مستقلة قادرة على استعادة زمام الأمور في حضرموت، ويُضعف قدرة القوى السياسية على اتخاذ قرارات حاسمة تواكب الواقع المحلي وتعكس الإرادة الشعبية.

5-الصراع على الموارد الاقتصادية
تعد الموارد الطبيعية في حضرموت، ولاسيما النفط والغاز، إحدى العوامل الحيوية والمهمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والخدمي في المحافظة. وعلى الرغم من أن الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، فضلاً عن حلفائها الإقليميين، تسيطر على عمليات تصدير واستغلال هذه الموارد، فإن الواقع في حضرموت يظل مغايرًا بشكل كبير، إذ تعاني المحافظة من تدهور كبير في الحياة المعيشية والخدمات الرئيسة مثل الصحة والتعليم والكهرباء. وهذه الفجوة بين الموارد الطبيعية الضخمة التي تمتلكها حضرموت وبين الأوضاع المعيشية المتردية للسكان تكشف عدم وجود آليات فعّالة وعادلة لحوكمة إدارة هذه الموارد بما يحقق تنمية مستدامة تخدم أبناء المحافظة بشكل عادل.

وفي هذا السياق، تصاعدت المطالبات من بعض القوى الحضرمية للحصول على حصص من العائدات الاقتصادية والمالية الناتجة عن استغلال هذه الموارد لصالح حضرموت. إلا أن هذه المطالبات قد تتعرض لضغوط إقليمية متزايدة، إذ من الممكن أن تسعى بعض الأطراف الإقليمية إلى توظيف هذه المطالبات لتحقيق مصالحها الخاصة، مما يزيد من تعقيد الوضع. وفضلاً عن ذلك، فإن تباين الرؤى بين القوى الحضرمية المختلفة بشأن كيفية إدارة هذه الموارد وتوزيع العائدات والاستفادة منها، فضلاً عن غياب التنسيق الفعّال بين هذه القوى، يعيق إمكانية تحقيق مطالبها. وهذا الوضع قد يضعف قدرة القوى الحضرمية على تقديم رؤية موحدة تعكس مصلحة أبناء حضرموت، مما يؤدي إلى فشل المطالبات الجماعية وتعميق حالة الاستياء الشعبي.

ومع تدخل القوى الإقليمية في هذا الصراع، يصبح من الصعب على القوى السياسية الحضرمية تحقيق أهدافها والوعود التي أطلقتها وكررتها لتحقيق مصالح حضرموت وأبناءها، وهو ما قد يعرضها لضغوط شعبية ويفقدها المصداقية والثقة. 

6- تحديات التنسيق والتكامل بين القوى السياسية الحضرمية والسلطة المحلية
تواجه السلطة المحلية في حضرموت عدداً من التحديات التي تعيق قدرتها على تقديم خدمات فاعلة تلبي احتياجات المواطنين، ومن أبرزها غياب التنسيق الفعّال بين المؤسسات المحلية مما يخلق فجوات في توزيع الموارد ويؤدي إلى تدهور الأوضاع الخدمية والتنموية في المحافظة. وفي ظل ضعف الكفاءة الإدارية، تزداد الصعوبات في تحديد أولويات واحتياجات المواطنين وفي تنفيذ المشاريع التنموية. كما يسهم غياب الخطط الإستراتيجية المستدامة في تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

فضلاً عن ذلك، فإن تأثير عدد من القوى الحضرمية المدعومة وتدخلاتها من الأطراف الإقليمية أو الحكومة المركزية في سياسات السلطة المحلية وأدائها يزيد من تعقيد هذا الوضع. ففي كثير من الأحيان، قد تُستخدم القوى المحلية كأدوات سياسية لخدمة مصالح الأطراف الداعمة لها، مما يحد من استقلالية القرار الإداري ويؤثر سلبًا على أولويات التنمية الحقيقية. إذ تسعى هذه القوى إلى تحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية على حساب رفاهية المجتمع المحلي لاسيما في ظل تضارب المصالح المحلية والإقليمية، مما يجعل من الصعب على السلطة المحلية تطبيق سياسات تعود بالنفع على السكان بشكل متساوٍ وعادل يعوق عملية بناء مؤسسات قوية قادرة على تقديم الخدمات الأساسية بكفاءة وفاعلية.

وبذلك، يؤدي هذا التأثير المتعدد الأطراف إلى ضعف السلطة المحلية ويزيد من عدم الثقة بينها وبين والمواطنين، إذ يشعر كثيرون أن المصالح الخاصة تفوق المصلحة العامة. وفضلاً عن ذلك، فإن تداخل المصالح الإقليمية والمحلية يعرقل الوصول إلى حلول مستدامة لاحتياجات السكان ويعوق عملية بناء مؤسسات قوية قادرة على تقديم الخدمات الأساسية بكفاءة وفعالية.

7-محدودية الخبرات السياسية والإدارية
على الرغم من دور القوى السياسية الحضرمية في التأثير غير المباشر على المشهد السياسي في حضرموت، فإن محدودية الخبرات السياسية والإدارية لدى عدد منها تمثل إحدى التحديات الرئيسة التي تعيق قدرتها على إدارة الأوضاع بفاعلية. فالنقص في الخبرة السياسية والتحليلية يحد من قدرة هذه القوى على اتخاذ قرارات استراتيجية قائمة على تقييم دقيق للمتغيرات المحلية والإقليمية، مما يجعل استجابتها للأزمات أقل مرونة وفعالية.

إن هذا القصور في الخبرات يعوق أيضًا تطوير رؤى استراتيجية مستدامة تكفل استمرارية هذه القوى وقدرتها على تحقيق أهدافها. وعلى المستوى التنفيذي، يؤدي هذا الضعف إلى صعوبة التنسيق بين القوى والكيانات السياسية المختلفة في حضرموت ممّا يعقد عملية صياغة سياسات قابلة للتنفيذ على أرض الواقع. كما يضعف من قدرة هذه القوى على التفاعل السريع مع التحولات السياسية في المنطقة، مما يجعلها غير قادرة على التنبؤ بالاتجاهات المستقبلية أو بناء استراتيجيات واقعية تحقق المصلحة العامة لأبناء حضرموت.

الفرص المستقبلية للقوى السياسية في حضرموت
تواجه القوى السياسية في حضرموت تحديات عدة تمس جوانب مختلفة من الحياة السياسية والاجتماعية، غير أن هذه التحديات قد تُحْدِث أيضًا فرصًا جديدة في حال تم استثمارها بشكل مدروس. ولعل أبرز الفرص التي يمكن أن تطرأ على القوى السياسية في حضرموت تتمثل في قدرتها على تحويل التحديات إلى محركات للنمو والتطور، مما يتيح لها تعزيز دورها على الصعيدين المحلي والوطني. ويمكن تلخيص هذه الفرص في النقاط التالية:
1-تعزيز أطر التنسيق السياسي بين القوى السياسية الحضرمية
تمثل الوحدة السياسية بين القوى السياسية الحضرمية تحديًا استراتيجيًا محوريًا، فوجود أي تباينات أو انقسامات داخلية بين الكيانات السياسية المختلفة تُشكل عقبة رئيسة أمام بناء قاعدة سياسية موحدة وقوية. 

ومع ذلك، تعد هذه الانقسامات نفسها بمثابة فرصة غير مستغلة لإعادة تشكيل المشهد السياسي في حضرموت، وهو ما قد يسهم في وضع الأسس اللازمة لتحقيق أهداف سياسية واضحة ومتماسكة. إن القدرة على تجاوز هذه الانقسامات عبر آليات التنسيق والتعاون بين القوى السياسية المختلفة، يمكن أن تؤدي إلى تشكيل جبهة سياسية واحدة قادرة على التفاعل بشكل أكثر فاعلية مع التحديات المحلية والإقليمية.

وفي هذا السياق، يتطلب تحقيق هذا التنسيق بناء قنوات حوار جاد وفعّال، يهدف إلى تعزيز التفاهم المتبادل حول الأهداف الاستراتيجية، مع العمل على تطوير مؤسسات سياسية توافقية تحتضن الرؤى والمواقف السياسية المختلفة، وتُسهم في تحفيز عملية اتخاذ القرار بشكل جماعي. إذ إن تطوير هذه المؤسسات ليس مجرد خطوة تكتيكية، بل هو استثمار طويل الأمد يعزز من قوة حضور القوى الحضرمية على الساحة الوطنية والدولية.

من خلال هذا التحالف السياسي، يمكن للقوى السياسية الحضرمية أن تخلق منصة قوية تسهم في تحديد أولوياتها السياسية، ومن ثَمَّ تعزيز موقفها داخل اليمن وعلى مستوى المنطقة. ومن خلال تعزيز الوحدة الداخلية والتنسيق المشترك، يمكن للقوى الحضرمية أن تسهم في تحقيق الاستقلالية السياسية المطلوبة ضمن الإطار الوطني، مما يعزز مكانتها ويُسهم في الدفاع عن مصالحها وتطلعات أبنائها بشكل أكثر فاعلية.

2-الاستفادة من الفراغ السياسي على المستوى الوطني
في ظل الجمود السياسي الراهن الذي يشهده اليمن، والتباين المستمر في المواقف بين القوى السياسية الوطنية، تظهر أمام القوى السياسية في حضرموت فرصة استراتيجية غير مسبوقة للاستفادة من هذا الفراغ السياسي. فحالة الفوضى والتوترات التي تعصف ببقية المناطق اليمنية، فضلاً عن الانقسام في أوساط أطراف النزاع والقوى السياسية على المستوى الوطني، قد تفتح أمام حضرموت مجالاً لتعزيز مكانتها السياسية من خلال استثمار هذه الظروف الراهنة.

وتتطلب الاستفادة من هذا الفراغ تحركًا دقيقًا ومنهجًا مُحكمًا يرتكز على فرص التفاوض الفعّال مع الأطراف الفاعلة على الساحة المحلية والإقليمية والدولية. 

ومن المهم للقوى السياسية في حضرموت أن تبني استراتيجية تُركز على استثمار هذه الفراغات لزيادة حضورها في مسار صنع القرار السياسي في اليمن، مع تأكيد حقوقها في تحقيق التوازن بين المصالح المحلية والتوجهات الوطنية.

وبناءً عليه، فإن هذا التحرك يجب أن يتسم بالحكمة السياسية والتكتيك الدبلوماسي، بحيث يتجنب الاصطفاف السلبي في النزاعات الداخلية، ويستثمر في خلق بيئة توافقية تًتيح لحضرموت تحقيق أهدافها السياسية والاستفادة من التأثير السياسي المستقبلي على المستوى الوطني.

3- تعزيز استقلالية القرار السياسي
في ظل التدخلات الإقليمية والدولية المستمرة في الشأن اليمني، قد يواجه القرار السياسي في عدد من المناطق تحديات كبيرة تتعلق بالسيادة والقدرة على التأثير في مجريات الأحداث. وفي هذا السياق، تُعد القوى السياسية في حضرموت في وضع يسمح لها بتحقيق درجة أكبر من الاستقلالية في تحديد مسارها السياسي، شريطة أن تستثمر الظروف الراهنة بشكل استراتيجي.

وإحدى الفرص التي يمكن لحضرموت استثمارها هي توسيع نطاق التحالفات الاستراتيجية مع القوى الإقليمية الفاعلة، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. فهذه التحالفات يمكن أن تسهم في ضمان مصالح حضرموت الاقتصادية والسياسية من خلال التعاون المشترك، شريطة أن يتم الحفاظ على توازن دقيق يسمح لحضرموت بالتحكم في مجريات القرار المحلي بشكل مستقل. وهذا المسار يتطلب من القوى السياسية في حضرموت استراتيجيات دبلوماسية مرنة، تتيح لها تعزيز علاقاتها الإقليمية دون أن يؤدي ذلك إلى التقيد بإملاءات قد تؤثر سلبًا على استقلال قرارها.

وفضلاً عن ذلك، فإن تعزيز استقلالية القرار السياسي في حضرموت لا يرتكز فقط على التحالفات الخارجية، بل يشمل أيضًا بناء مؤسسات سياسية داخلية قوية، قادرة على صناعة القرار بعيدًا عن أي تأثيرات أو ضغوط من الأطراف المركزية. إذ إن هذه الاستقلالية من شأنها أن توفر لحضرموت القدرة على تحديد أولوياتها السياسية والاقتصادية بما يتناسب مع مصالحها الخاصة، مع الحفاظ على قدرة فعلية على التفاوض مع الأطراف الإقليمية والدولية وفقًا لمقتضيات المصلحة المحلية لحضرموت وأبناءها.

4-تعزيز التعاون بين القوى السياسية والسلطة المحلية لتنمية حضرموت
تشكل القضايا التنموية الملحة في حضرموت، مثل توفير الخدمات الأساسية وتحسين مستوى المعيشة، فرصة حيوية للقوى السياسية في المحافظة لتثبت دورها القيادي وتحقق تأثيرًا ملموسًا في تحسين حياة المواطنين. وفي ظل التحديات المتعددة التي يواجهها المواطنون، سواء أكانت اقتصادية أم اجتماعية، يبرز دور القوى السياسية بوصفها عنصراً أساساً يمكنه دفع عجلة التنمية المستدامة. فعندما تركز القوى السياسية على الإسهام في تقديم حلول عملية لهذه القضايا، يمكن أن تعزز من شعبيتها وتكتسب قاعدة دعم شعبية قوية، مما يسهم في تعزيز مكانتها السياسية. 

ومن جانب آخر، تُعد الموارد الاقتصادية في حضرموت من المقومات الرئيسة التي يمكن أن تسهم بشكل كبير في دفع عجلة التنمية المستدامة وتحسين الوضع المعيشي للمواطنين. ومع ذلك، فإن الاستفادة القصوى من هذه الموارد تستدعي تعاونًا إيجابيًا وفعالًا بين القوى السياسية الحضرمية والسلطة المحلية بعيداً عن التدخلات التي قد تؤدي إلى صراعات سياسية أو تعيق فعالية الأداء المحلي.

فعلى الرغم من أن السلطة المحلية تتحمل المسؤولية المباشرة في إدارة شؤون المحافظة، فإن القوى السياسية يمكن أن تكون شريكًا فاعلاً في تحديد أولويات التنمية بما يعكس احتياجات المواطنين وتطلعاتهم. إذ ينبغي عليها أن تسعى إلى بناء شراكة استراتيجية مع السلطة المحلية قائمة على التنسيق والتعاون، من خلال دعم الإصلاحات التنموية وتنفيذ المشاريع التي تسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. مع تجنب فرض سياسات قد تؤدي إلى استقطابات أو صراعات سياسية تضر بمصلحة المواطنين.

إن تحقيق هذا التنسيق بين القوى السياسية والسلطة المحلية من شأنه أن يسهم في تحقيق التنمية المستدامة عبر تعزيز البنية التحتية والخدمات الأساسية، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، مما يؤدي إلى خلق فرص عمل جديدة وتحسين جودة الحياة في حضرموت. ومن خلال هذا التعاون البناء، يمكن لحضرموت أن تحقق تقدماً في المسارات التنموية بعيدًا عن أي صراع سياسي قد يعوق تنفيذ المشاريع التنموية المهمة. فضلاً عن أن القوى السياسية استطاعت أن تسهم بشكل فاعل في تحسين تقديم الخدمات الأساسية، ورفع مستوى الحياة المعيشية للمواطنين، ومن ثم قد تكون لعبت دورًا بارزًا في تلبية تطلعات الناس وتحقيق استقرار طويل الأمد.

5-تشكيل تحالفات أمنية استراتيجية
في ظل التوترات العسكرية المستمرة والتحديات الأمنية المعقدة التي تواجه حضرموت واليمن بشكل عام، يمكن للقوى السياسية الحضرمية تحويل الوضع الأمني الهش إلى فرصة استراتيجية بدلاً من أن يُنظر إليه تهديداً دائماً. إذ يمكن أن تسعى القوى السياسية في حضرموت لاستغلال هذه الظروف لتشكيل تحالفات أمنية استراتيجية مع الأطراف ذات العلاقة التي تتقاطع مصالحها الأمنية مع مصالح حضرموت.

فتعزيز التعاون والتحالفات الأمنية مع هذه الأطراف من شأنه أن يسهم بشكل جوهري في تحسين الوضع الأمني الداخلي في حضرموت، مما يخلق بيئة أكثر استقرارًا وأمانًا. وهذا الاستقرار لا يُعد أمرًا محوريًا فقط على صعيد تعزيز السلم الاجتماعي، بل يفتح الباب أمام جذب الاستثمارات الاقتصادية وتنفيذ المشاريع التنموية، بما في ذلك مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية التي تعد ضرورية لتحقيق تنمية مستدامة.

فضلاً عن ذلك، يمكن للقوى السياسية الحضرمية من خلال هذه التحالفات الأمنية، أن تعزز من قدرتها على مواجهة التهديدات المتنوعة مثل الإرهاب والنزاعات الداخلية، مما يعزز دورها في تحقيق الأمن والاستقرار على الصعيد المحلي. وهذه الشراكات الأمنية لا تقتصر على دعم الوضع الأمني الداخلي، بل تمتد لتشمل حماية المصالح الاقتصادية الحيوية في المنطقة، بما في ذلك موارد الطاقة والموانئ، التي تشكل ركيزة رئيسة لاقتصاد حضرموت ولعملية التنمية المستدامة.

وضمن هذا السياق، سًيُمكّن الاستقرار الأمني القوى السياسية الحضرمية أن تعزز من قدرتها على التفاوض والحوار مع الأطراف الفاعلة المحلية والإقليمية والدولية، مما يمنحها مزيدًا من الاستقلالية في اتخاذ القرارات السياسية، ويُسهم في تعزيز موقعها على الساحة اليمنية والإقليمية. ومن خلال تعزيز هذه التحالفات الأمنية وتوسيع نطاقها، يمكن لحضرموت أن تضع نفسها في موقع قوي وقادر على تحقيق استقرار سياسي وأمني واقتصادي، ويُسهم في تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، ويجعل القوى السياسية الحضرمية أكثر تأثيرًا وحضورًا في مجتمعاتها المحلية.

6- أدوار الشباب والنساء في تعزيز القوى السياسية الحضرمية
يعد تعزيز أدوار الشباب والنساء في الحياة السياسية من العوامل الرئيسة التي يمكن أن تعزز فعالية القوى السياسية الحضرمية وتدعم قدرتها على الاستجابة للتحديات الحالية والمستقبلية. ففي ظل الواقع الراهن، عندما تتطلب الحاجة إلى بناء قاعدة سياسية متنوعة ومرنة يصبح إشراك الشباب والنساء ضرورة استراتيجية لتمكين القوى السياسية من مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية بشكل أكثر شمولية وفاعلية.

إذ إنّ إشراك الشباب والنساء في العمليات السياسية يُمكن أن يوفر رؤية جديدة ومنابع حيوية للطاقة والابتكار، وهو ما يسهم في تطوير استراتيجيات سياسية قادرة على تلبية احتياجات المجتمع بفئاته كافة. فضلاً عن أن توفير الفرص لتدريبهم وتأهيلهم سيعزز من قدرتهم على أداء أدوار مؤثرة في المستقبل وتخدم المصلحة العامة لحضرموت.
ومن خلال دمج الشباب والنساء في صنع القرار السياسي، يمكن للقوى السياسية الحضرمية بناء قاعدة جماهيرية نوعية ومتنوعة مما يعزز من شرعيتها ويقوي حضورها في المشهد الوطني. كما أن هذا الانخراط المباشر سيسهم في معالجة قضايا مهمة مثل العدالة الاجتماعية والنوع الاجتماعي والتنمية المستدامة، ويضمن تمثيلًا عادلاً لفئات المجتمع كلها في العمليات السياسية.

إن القوى السياسية التي تتبنى هذا النهج ستكون أكثر قدرة على استقطاب الدعم الشعبي، وتوسيع دائرة التأثير على مستوى حضرموت وعلى المستوى الوطني، ما يعزز استقرارها وقدرتها على تحقيق أهدافها السياسية والتنموية.

7- فرص حضرموت في مستقبل التسويات السياسية
في ظل التحولات السياسية المستمرة التي يشهدها اليمن والمنطقة بشكل عام، تبرز أمام القوى السياسية في حضرموت فرصة استراتيجية لتعزيز مكانتها في السياق الوطني من خلال التوجه نحو تعزيز دور المحافظة في أي تسوية سياسية محتملة قد تؤدي إلى تأسيس نظام فيدرالي أو منح الحكم الذاتي. يتطلب هذا التوجه استثمارًا دقيقًا للظروف السياسية المحلية والإقليمية، إذ إن حضرموت، بما لها من خصوصيات تاريخية وثقافية واقتصادية، تمتلك المقومات التي تجعلها مؤهلة للتمتع بمستوى من الاستقلالية السياسية والإدارية الذاتية يضمن لها إدارة شؤونها بشكل يتماشى مع احتياجات مجتمعها.

إن العمل على تعزيز مكانة حضرموت ضمن أي إطار سياسي مستقبلي يتطلب من القوى السياسية المحلية تقديم رؤية واضحة ومؤثرة تركز على مصالح المواطنين وأولويات التنمية المستدامة. فالتفاوض حول هذه المسألة على المستويين الوطني والدولي يُعد فرصة لتوجيه الانتباه إلى القضايا الخاصة بالمحافظة، بما في ذلك إدارة الموارد المحلية، وتحقيق توازن بين الاستقلالية السياسية والاندماج في الإطار الوطني.

ومن خلال هذه الفرصة، يمكن لقوى حضرموت السياسية أن تسهم في إعادة صياغة الخريطة السياسية في اليمن بشكل يجعل منها نموذجاً يعزز حقوق الأقاليم والحكم الذاتي ويحتذى به في حال انتهجت البلاد النهج الفيدرالي. وهذا لن يسهم فقط في تحقيق الأمن والاستقرار على المستوى المحلي، بل قد يكون له انعكاسات إيجابية في بناء علاقة أكثر توازناً بين السلطة المركزية والأقاليم المختلفة في اليمن.

الخاتمة:
   تمر حضرموت بمرحلة دقيقة من تاريخها السياسي والاجتماعي، إذ تواجه جملة من التحديات المعقدة التي تشكل عقبات حقيقية أمام تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وهذه التحديات، التي منها الانقسامات السياسية الداخلية، والتدخلات الإقليمية، والتدهور الاقتصادي والخدمي، والتوترات العسكرية المستمرة وغيرها، تؤثر بشكل جوهري على مستقبل المحافظة السياسي والتنموي. 

وهنا تحضر أهمية القوى والكيانات السياسية الحضرمية التي يُنتظر منها أن تقدم أدواراً مؤثرة وإيجابية تعمل على النهوض بحضرموت وتحقق تطلعات واحتياجات أبناء المحافظة. ولذلك من المهم أن تدرك هذه القوى التحديات التي تواجهها وتعمل على تجاوزها. 

وتجاوز هذه التحديات يتطلب إعادة صياغة المشهد السياسي المحلي عبر توحيد الرؤى بين القوى السياسية الحضرمية المختلفة من خلال إجراء حوار داخلي معمق، وتحقيق التنسيق الاستراتيجي بينها بما يعزز الموقف الوطني. إذ ينبغي أن يركز هذا التنسيق على القضايا الرئيسة التي تمس مصالح المواطنين في حضرموت، ويسعى إلى الحد من تأثير التدخلات الإقليمية والخارجية التي قد تُفاقم الوضع القائم، وهذا التنسيق لن يسهم فقط في تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة لمواطني حضرموت، بل سيمكّن المحافظة من مواجهة التحديات المحلية والإقليمية في ظل النزاع القائم، ويعزز من مكانة حضرموت في الساحة الوطنية والدولية.

وفي هذا السياق، تُعد التوترات الأمنية والعسكرية إحدى أبرز التحديات التي قد تعرقل مساعي الاستقرار والتنمية، فزيادة الأنشطة العسكرية والنزاعات المحلية تعيق قدرة القوى السياسية المحلية على فرض سياسات مستقلة تدعم الأمن الداخلي وتعزز البيئة الاستثمارية وهو ما يجب العمل على تجاوزه. 

وفضلاً عن ذلك، فإن تجاوز هذه التحديات يتطلب تبني استراتيجية سياسية شاملة تستند إلى تعزيز التواصل مع الحكومة المركزية لتحقيق التوافق على الأولويات الوطنية. وفي هذا الإطار، من الأهمية بمكان أن تتبنى القوى الحضرمية منهجًا واضحًا في التعامل مع القوى الإقليمية، بحيث تضمن الحفاظ على استقلال القرار السياسي وتعزيز قدرة المؤسسات المحلية على تقديم حلول مبتكرة لمشاكل المواطنين.

إن المرحلة المقبلة ستكون محورية في تشكيل مستقبل حضرموت، ومن الضروري أن توحد القوى السياسية صفوفها وتتوافق على رؤى واستراتيجيات قابلة للتنفيذ لاستعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي. هذا التنسيق لن يسهم فقط في تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة لمواطني حضرموت، بل سيمكّن المحافظة من مواجهة التحديات المحلية والإقليمية في ظل النزاع القائم، ويعزز من مكانة حضرموت في الساحة الوطنية والدولية.

content

يعمل المركز، على إثراء البحث في القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، في اليمن والمنطقة العربية، وتعزيز فهم تلك القضايا والأحداث المرتبطة بها من خلال الأبحاث والدراسات الميدانية المعمقة، والتقارير والإصدارات المتنوعة، وأوراق السياسات العامة، والكتب العلمية المُحَكّمة، وعقد المؤتمرات وورش العمل والندوات المتخصصة، وبرامج التدريب ودعم قدرات البحث العلمي.