صنعاء

حدود المدينة والهويات الحضرية

الخميس, 21 نوفمبر / تشرين الثاني 2024

صنعاء: حدود المدينة والهويات الحضرية (1)
رومان ستادنيكي  
ترجمة د. عزيز الأقرع

ملخص

يحاول الكاتب من خلال هذا الدراسة إيضاح الاختلافات بين مدينة صنعاء القديمة وأطرافها في مواجهة تطور الهويات الحضرية وبنائها. ومن خلال تحليل ممارسات سكان المدينة وخطاباتهم، ومن الممكن تحديد أوجه الاختلاف بين هاتين المجموعتين الحضريتين كالآتي: يلاحظ أن في مدينة صنعاء القديمة نزعة نحو خلع المدنية التقليدية تحت وطأة تسلل عدد من العلامات الخارجية، وعلى العكس تماما في المناطق المحيطة بالمدينة القديمة هنالك توجه نحو ظهور هويات متعددة، تتجلى في إعادة إنتاج تقنيات اجتماعية مكانية "تقليدية" كما هو الحال في ظهور أماكن ذات طابع خارجي المنشأ، مثل الأشكال الجديدة للمحلات التجارية والأماكن الترفيهية. وبعيداً عن هذا التمييز بين المدينة القديمة والأطراف المحيطة بها، فقد أدى التمدد المدني والتجزئة المكانية والتحديث إلى ظهور عدد لا بأس به من المناطق الحضرية الصغيرة فضلا عن التعدد النسبي للهويات الحضرية. وفي هذا السياق، تظهر ساحات أبواب صنعاء أماكن تشارك وتجمع مميزة للهويات بأشكالها المختلفة.

خطة الدراسة 

- بين التفكك والتشرذم: تقلص الهويات الحضرية

- تمدد ينتج أشكالًا حضرية جديدة

- التفكك الاجتماعي والعزل.

-  اتجاهات حديثة تعزز حدود المدينة القديمة/صنعاء الجديدة

- في المدينة القديمة: هل أصبحت الهوية الحضرية متلاشية؟

- في الأحياء المحيطة: التنوع وتقارب الهويات.

- هل هي هوية الحدود؟

- خاتمة 

تستحق مدينة صنعاء الاهتمام بمسألة الهويات الحضرية. ومع ذلك، فإن هذه الدراسة لا تهدف إلى تسليط الضوء على هوية صنعانية مشتركة لجميع السكان - هذا إذا كان بالإمكان تمييزها بالفعل - أولا لأن الأمر سيستغرق أكثر من دراسة لإجراء مثل هذا البحث، وثانيا أنه وبسبب ظاهرة قريبة العهد للانفجار الحضري وتشظي مناطق العيش قد لا يساعد ذلك على تسهيل القراءة على مستوى التجمع السكني. لذلك تم التركيز على زاويتين للتحليل في هذه الدراسة، التي تبرز مجازفة البقاء غير المكتملة في وصف مكونات رباط الهوية الصنعانية(2).

بني التحليل في المقام الأول من خلال الملاحظات الدقيقة للظواهر التي تكشف للذي يعرف كيفية تفسيرها مجموع الهويات الفردية التي يصعب ترجمتها إلى هوية جماعية، وتظهر -  "إلى جانب"، أو حتى في بعض الأحيان - بمعزل عن التسليم بشكل أو بآخر إلى الانتماء الجماعي للمدينة. وفضلا عن ذلك، فإن التطور الحديث لحاضرة صنعاء، وانفجارها الديموغرافي، وتجزئة مناطقها، رافقه انتقال مركزها، وكثير من عمليات إعادة التركيبات الاجتماعية، والنتيجة هي تضاعف مستمر وإعادة تشكيل تناسبي لهوياتها الحضرية. وفي المقام الثاني، يفضل التحليل هنا الأخذ في الحسبان البعد المكاني للهوية، أي "مطابقة دمج اجتماعي (فردي، جماعي) مع الأماكن أو المناطق" حسب ما ذكره هيجل وليفي (Haegel & Lévy, 1998) في صنعاء، ومن الواضح أنه في هذا السياق من تخفيف حدود المدينة والتمدد الحضري وانبثاق أحياء جديدة، لا تزال أنظمة التبادل الاجتماعي محكومة بشكل أو بآخر بمشاعر الانتماء المكاني للأفراد. داخل السور أو خارجه على سبيل المثال. ليس هناك من مجال للتقليل من التداخلات الكثيرة بين المناطق الداخلية والخارجية للمدينة القديمة، ولا من فكرة وجود تجانس حالي معين للممارسات المكانية، لكننا سنرى أن التصورات لا تزال متوقفة بشكل أو بآخر على النمط التقليدي لتقسيم الفضاء الحضري عن طريق الأسوار القديمة.

يبدو أن الإشارة إلى المنطقة، التي تبقى مساحتها، كما نحدد، متغيرة كثيراً وغير دقيقة في كثير من الأحيان، وهي توفر زخمًا حاسمًا لبناء الهويات الحضرية وتطورها. ومن خلال التساؤل حول العلاقات بين الكيانات المحلية والهويات الاجتماعية يمكن تقسيمها على ثلاثة مستويات من الواقع الاجتماعي المكاني، وهي المورفولوجيا والممارسات والتمثيلات، ونعتقد أنه يمكننا من خلالها تحديد علاقات سكان المدينة بأماكن معيشتهم، فضلا عن تحديد المكانة التي يشغلونها في المجتمع الحضري الصنعاني(3).
وفي مواجهة التحولات الكبيرة التي أثرت على كل من المشهد الحضري والبنية الاجتماعية للمدينة على مدى العقود الماضية، أصبحت الإشارة إلى "مناطق الهوية" (2004, Troin) - التي تعد معالم وعلامات محلية – تنتشر على نطاق واسع. وهكذا يبدو أن الحدود القديمة لصنعاء تستعيد وظيفة المرجع المكاني والمميز الاجتماعي، وتلعب دورًا أساسًا في تشكيل الهويات الحضرية. في الواقع، تتشكل هذه الهويات فيها وتؤدي إلى ظهور سلسلة من الفروق بين المدينة القديمة والمحيط. فبعد أن نستعرض وبإيجاز التحولات الاجتماعية والمكانية الرئيسة للمدينة، وسنحاول أن نبين كيف أنه وفي مساحة حضرية تتمدد بشكل متزايد، تمارس الحدود القديمة لمدينة صنعاء دورًا مزدوجًا متناقضًا تقريبًا: تقسيم المدينة إلى "اتجاهين من الهوية" متميزين، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يؤدي إلى تحديد المساحات المتاخمة المختلطة.

بين التفكك والتشرذم: تقلص الهويات الحضرية

تمدد ينتج أشكالًا حضرية جديدة

تزامن الانفجار الحضري في السبعينيات والتسعينيات مع عدد من الظواهر الأخرى التي غيرت شكل صنعاء. فبعد ثورة 1962 بوقت قصير، شهدت الجمهورية الفتية مدة من الازدهار الاقتصادي. إذ أدى التأثير الكبير للهجرة إلى دول الخليج إلى تغييرات رئيسة عدة على الأنشطة الاقتصادية للمدينة: بدايات ظهور المساحات السكنية في محيط صنعاء، واستيراد طرق جديدة للسكن، وتعديل بعض القيم بشكل عام. وانحصر تطوير المدينة في البداية في المناطق الوسطى (التحرير، بير العزب) والمناطق المحيطة بالمركز (في امتداد أبواب صنعاء: باب اليمن، وباب شعوب). ولكن، وبسرعة كبيرة، ومن خلال إدراكها للديناميكية المذهلة للمبنى، سمحت السلطات الحكومية رسميًا بالمضاربة على أطراف المدينة (4). لقد حدد امتداد النسيج الحضري الشكل الجديد للمدينة. فكانت منطقتان فرعيتان تميلان للبروز وهي: المحور الجنوبي لشارع تعز الذي شهد تطورا خطيا مستمرا مع الإطار، وكذلك المنطقة الغربية المكونة من مناطق تجارية وسكنية جديدة، الواقعة بين المنطقة العثمانية (بير العزب) والطريق الدائري (الشكل 1). وفي الوقت نفسه، جذبت المدينة عدد من المهاجرين من جميع أنحاء البلاد للمشاركة في هذا الازدهار الاقتصادي. ولكن في ظل مواجهة صعوبات الاندماج وإحجام بعض الصنعانيين، استقر جزء كبير من هؤلاء المهاجرين في أحياء مستقلة، وفي بعض الحالات في الأطراف الخارجية، مما يمثل قطيعة مع بقية المناطق الحضرية وأهم مثال على ذلك (منطقة مذبح، الواقعة في الشمال الغربي من المدينة). وفي التسعينيات، استمر عدد السكان في التزايد. فمن ناحية، استقر جزء من المغتربين الذين عادوا خلال حرب الخليج، في العاصمة (وهي الظاهرة التي أدت إلى تفاقم فقر الطبقات الوسطى وأدت كذلك إلى تضخم المناطق الطرفية المرصوصة بشكل سيئ). ومن ناحية أخرى، شهد إعادة تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990 زيادة القوة السياسية والإدارية لصنعاء وظهور برجوازية حضرية جديدة، وتمركزت حينها في الأحياء السكنية "الأنيقة" على طريق منطقة حدة.

وكانت بلدية صنعاء، التي شهدت هي أيضا تحولات هيكلية جذرية (5) غير قادرة على احتواء الأنشطة ضمن محيط محدد مسبقًا، ولا حتى الاهتمام بالتخطيط وبتطوير شبكات بين مختلف المناطق الناشئة. إن الانتقال من الشكل الحضري المترابط إلى الشكل المجزأ يعلن حتماً عن وجود سلسلة من التوترات بين تنوع المناطق والمحتويات الاجتماعية الموجودة في صنعاء (6).

الشكل 1. صنعاء: المدينة القديمة والفضاء الحضري الجديد

1.png

المصدر : صنعاء 1/20000، بواسطة روبرت جريف(Robert Grieve) ، يوليو 1999،

Survey of Yemen    Golf؛ تم التحديث بواسطة ستادنيكيRoman Stadnicki )  2007(.

وتعد التجزئة المكانية في صنعاء نتيجة مباشرة للنمو الحضري والمحرك وراء منطق الإعداد الحالي. إذ تتواجه المناطق المختلفة بعضها ببعض دون أن تتطور بينها تشابهات مباشرة. يظهر التشظي المكاني في صنعاء في أحد أشكاله الأكثر اكتمالا، من خلال الظهور القريب لبعض المدن السكنية المغلقة (أو المجمعات) (انظر الشكل رقم 2). أُنشئت هذه المجمعات نتيجة بروز طبقة برجوازية حضرية جديدة من رجال المال والأعمال، فضلاً عن رحيل النخب الحضرية من المدينة القديمة التي كانت تعاني من حركة التسوق(7) وتهالك الأبراج السكنية التقليدية، وقد أدى ذلك إلى تضاعف عدد المجمعات السكنية في صنعاء في حوالي عشر سنوات. وهي تشكل حالياً جزءًا كبيرًا من الممارسات العقارية في الضواحي الجنوبية الغربية للمدينة (على طول شارع حدة، انظر الشكل 1). ومن خلال العمل على مبدأ التمييز الاجتماعي، فإن هذه المدن، " نمطية الشكل"، (2002Navez-Bouchanine, )، الناتجة عن التشظي المكاني تشكل دعمًا لتشكيل هوية حضرية جديدة وانتقائية منفصلة عن الكتلة الحضرية الشاملة والظاهرة في مناطق محددة جدا. وهكذا، فإن سكان مجمع حدة السكني (الشكل 2 مكرر) يجتمعون أيضًا في المساء في المركز الليبي، وهو مكان للاستهلاك "على الطراز الغربي"، وفي وقت الغداء يوم الخميس في بيتزا هت (Pizza Hut)، حيث ينظم بعض الوزراء وجبات غداء عمل.

اللوحة أ : "شكلان نمطيان" متعارضان مع صنعاء.

الشكل رقم 2. المجمع

2.png

الشكل 2 مكرر. مجمع حدة السكني، شارع حدة (جنوب غرب صنعاء).

3.png

الشكل 3. " المساحة المقابلة للباب".

4.png

 الشكل. 3 مكرر. الدوار خارج باب اليمن.
إنتاج وتصور : ستادنيكي،  (Roman Stadnicki, 2007)

5.png

تتميز أجزاء أخرى من المساحة الحضرية الجديدة في صنعاء، على خلاف ذلك، من خلال انفتاح معين، بإمكانية وصول أكثر حرية. إذ تعد المساحات التي تم إنشاؤها في الامتداد الخارجي لبوابات المدينة مثالاً جيدًا على ذلك، التي يمكن تحليلها على أنها " تشكيلة معمارية نمطية" أخرى تختلف بنيتها عن تلك المذكورة أعلاه في (الشكل 3). وتعد بعض الأماكن مثل باب اليمن الواقع جنوب المدينة القديمة، وباب السبح إلى الغرب، وباب شعوب إلى الشمال، أماكن عامة ذات استخدامات متعددة ومتنوعة التي توسعت أو انتشرت من بوابة السور القديم. ونلاحظ هنا ظاهرة الاستمرارية؛ لأنه على الرغم من تأثرها بالتطور الأخير للتجمعات والانتقال من مركز المدينة نحو الجنوب ثم نحو الغرب، فقد احتفظت "مساحات البوابات" هذه بوظائف المخالطة والانفتاح التي كانت موجودة بالفعل عندما كانت الأبواب مجرد ممرات بسيطة عبر الجدار المحيط بالمدينة. إلا أن الشكل تغير مع اتساع الطرق وتطور أنماط المرور. وتم تشييد المباني على طول الطرق الخارجية (وحتى في بعض الأحيان في بداية الطرق الداخلية)، لغرض استيعاب بعض الخدمات العامة، مثل ملحق وزارة الأشغال العامة في باب اليمن (الشكل 3 مكرر). وعلى العكس من ذلك، تم نقل بعض الأنشطة الخاصة بالسوق القديم في المدينة القديمة إلى خارج مساحات البوابات، للاستفادة من المرافق الكبيرة الملائمة أكثر للتخزين والتخلص من العناء. وتطورت منطقة باب اليمن، سواء بالنسبة للسيارات (المتصلة بأهم جوانب الاتصال) أم للمشاة (المدخل الرئيس للمدينة القديمة)، وفق منطق التنوع الواضح في الأشكال والوظائف وكذلك في أنماط التواصل الاجتماعي، ومن ثم استمرت في كونها عاملاً مساعداً للمجموعات السكانية المتباينة (Stadnicki،2006a). وقد احتفظت بوابات المدينة بشكل عام بهذا الجانب الهجين. عند مفترق الطرق بين جميع أجزاء المدينة وهوياتها، فإنها ترمز إلى ظهور فضاء ثالث، بين المدن التاريخية والضواحي المتعددة الأوجه لمعظم ما يسمى بالمدن العربية الإسلامية.

التفكك الاجتماعي والعزل.

تبدو مناطق صنعاء الجديدة مجزأة نسبياً. ومن ثم، يُنظر إلى الجنوب الغربي (منطقة السبعين، شارع / حدة، إلخ) على أنه الجزء "الراقي" من المدينة، إذ تسكنه الطبقات الاجتماعية الثرية (البرجوازية الجديدة والنخبة الحضرية القديمة)، في حين أن الشمال والشمال الغربي (الحصبة ومذبح …)، التي تم تطويرها بشكل تدريجي على طول ممر شبه صناعي، تظل الجزء "المكتظ بالسكان" من المدينة. ومن ناحية أخرى، يبدو أن تفكك المساحة الحضرية أو تبعثرها قد أدى إلى تفاقم عدم التوازن بين المدينة القديمة والمدينة الجديدة، وكذلك بين التحضر التقليدي والتحضر الحديث. ومن خلال بناء مرافق استهلاكية وترفيهية وسكنية في ضواحي المدينة المستوحاة مباشرة من الغرب، أسهمت الجهات الفاعلة في الإنتاج الحضري في توسيع "فجوة الهوية" التي سنلاحظها لاحقا، التي تحددها الفجوة بين الثقافة الحضرية الموروثة في العمل في داخل المدينة وحقن الثقافة الحضرية الحديثة والغربية خارج المدينة(8).

ويمكن أن يظهر عنصر فصل آخر في التقسيم الاجتماعي النوعي للمساحات الصنعانية. إذ أدى تقسيم وسط المدينة وظهور التعددية الإدارية - وإن لم يكن بشكل منهجي- إلى تخصيص المناطق التجارية ومناطق تجمع الأنشطة وفقًا لنوع المنتج والعملاء المستهدفين. وهذه ظاهرة تدعم أطروحة الطبيعة المتكررة بشكل مفرط للترتيبات المكانية في صنعاء، وهي خصوصية لعدد من المناطق الحضرية التي يهيمن عليها التحضر العفوي وسيئ التخطيط. ومنذ ذلك الحين، أصبح إعادة تشكيل الترتيبات السوقية في الضواحي يسمح ليس فقط لبعض المناطق التجارية الجديدة "بالعمل" وفقًا لنموذج تقليدي، بل يسمح قبل كل شيء لبعض الممارسات الداخلية والخاصة بالمدينة القديمة بإعادة الانتشار خارج الأسوار، وباتجاهات عدة. وهكذا، تركز العطارون والخياطون والصائغون وبائعو الملابس وغيرهم في "شارع جمال" الذي يربط حي اليهود القديم (القاع) بميدان التحرير (انظر الشكل رقم 1). وفي غضون سنوات قليلة، أصبح هذا الشارع يعرف بـ"شارع النساء": فعند حلول الليل، توجد أغلبية النساء هناك، بمفردهن أو في مجموعات أو برفقة أزواجهن. إن ظهور هذه المساحة التجارية الأنثوية ناتج عن تمدد المدينة خارج أسوارها. أما داخل المدينة القديمة، فيقل حضور النساء اللواتي يخرجن بمفردهن ولا يزلن، في معظم الأحيان، محصورات في المساحات الخاصة بالمنازل(9).

وفي كل الأحوال، يمكننا القول إنه إذا ظل الفصل الاجتماعي أو الجنسي – أو بالأحرى، لو وضعت الأمور في نصابها الصحيح، وإذا ظل تنظيم الفضاء الحضري من خلال التمييز الاجتماعي (أو الجنسي) للأفراد –  حقيقة واقعية في صنعاء، فإنه لن يبطئ بأي حال من الأحوال عملية بناء الهوية. وقد لا يكون ملائمًا لتنمية الروابط الاجتماعية بين المجموعات المختلفة، لكنه يولد هويات محلية صغيرة قوية، على نطاق الحي، تفرض بواسطة المطالب المناطقية القوية، وعن طريق الرغبة في الانتماء إلى المدينة.

اتجاهات حديثة تعزز حدود المدينة القديمة/صنعاء الجديدة

 في المدينة القديمة: هل تلاشت الهوية الحضرية؟ (10)

يستنكر عدد من سكان مدينة صنعاء القديمة تفكك الحياة الحضرية التقليدية تحت وطأة تسلل مجموعة من العلامات الخارجية (11). ومن بين هذه العلامات، الأفراد الوافدون نتيجة الهجرة الدولية وهم (اليمنيون العائدون من المملكة العربية السعودية خلال حرب الخليج) وكذلك الأفراد الوافدون نتيجة الهجرة الداخلية وهم (سكان المناطق الحضرية الجدد نتيجة النزوح الريفي في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي) الذين مثلت هجرتهم، وفقًا لبعض من أجريت معهم المقابلات، اضطرابًا كبيرًا في تنظيم الحياة الاجتماعية للمدينة القديمة. ووفقاً لرئيس الحي (العاقل) الذي تمت مقابلته في سوق الملح، فإنهم "يمثلون صورة سيئة للحي والمدينة والبلد بأكمله". وبحسب ما ذكره عاقل الحي، فإن هؤلاء الأفراد أدخلوا إلى المدينة أسلوب حياة خارجي يعتمد على قيم غريبة جدًا عن أسلوب الحياة الصنعاني أو العادات الريفية مما تسبب في خلل في التحضر المحلي. ويُلقي ساكن آخر من سكان المدينة القديمة باللائمة على أولئك المهاجرين أنفسهم بأنهم السبب في "موت الحياة في الحي"، أو بتعبير آخر، تسببوا في إضعاف الروابط الاجتماعية، حتى في الحارات(12): "لم نعد نعرف أحداً في المدينة القديمة. فقد اختلط السكان بشكل كبير جدًا. ولم يعد بإمكاننا التحكم في سلوكيات بعضهم. فقبل اكتساح الفلاحين للمدينة، كان التضامن الاجتماعي يمتد ليشمل النقاط الأربع الأساسية للمدينة، أما حاليًا فالذين لا زالوا موضع ثقة واحترام هم فقط أقرب الجيران.

ويحرص آخرون أيضًا على افتراض أن هذه العلامات الخارجية التي تنبثق أيضًا من تداخل المناظر الطبيعية قد تكون السبب في إلغاء الهوية. وفي الواقع، يبدو أن المنظر الطبيعي للبناء القديم يتأثر بوضوح بين النمط الداخلي والنمط الخارجي. ويعود أول ظهور لمكونات غريبة عن البناء التقليدي إلى ستينيات القرن الماضي، إذ سهّل غياب لوائح تخطيط المدن بناء منازل خرسانية على الطراز المصري من طابقين على طول الإطار بين باب اليمن وباب السلام الذي حل محل الأسوار على هذا الجزء. وبرزت بعد ذلك بعض منازل المدينة القديمة بإضافة طابق أو طابقين إضافيين مبنية بالطوب الأحمر وهي خاصية تميز بها البناء في السبعينيات والثمانينيات. ويشهد استخدام هذه المادة على وجود بعض المصانع ومصانع الطوب (في الضواحي الشمالية للمدينة)، مما يضفي على المدينة القديمة طابعا شعبيا وصناعيا " يشوه الطابع العتيق للحضارة العمرانية الصنعانية" حسب أقوال أحد سكان المدينة. وتنتشر هذه البيوت المعززة بطوابق عليا في سوق باب شعوب. وأخيرًا، كانت الحدائق (البساتين) في المدينة القديمة، خلال المدة نفسها أيضًا، مسرحًا لتمدن عفوي يتكون من أكواخ تمزج بين الطوب والخرسانة، وهي ممارسة انتقدها المدافعون عن تقاليد حضرية معينة. وأفصح أحد ممثلي البلدية عن نواياه بالقول: "يجب علينا إزالة جميع المناطق المشوهة في المدينة القديمة. لقد حان الوقت لإعادة تنظيم المدينة وإعادة ترتيبها كما كانت عليه قبل مائة عام."

يربط محدثنا جميع أشكال تهجين المناظر الطبيعية المذكورة أعلاه بهذه "المناطق الصادمة أو المشوهة". إنه خطاب رجعي لا يقل طوباوية، ولكنه مع ذلك يكشف أن "الملامح الرئيسة للمناظر الطبيعية ظهرت دائمًا بوصفها التمثيلات الرمزية الرئيسة لعلاقة الهوية بالمناطق المأهولة بالسكان"، (Di Meo، 2004).

لا يمكن أن تكتمل قائمة عناصر "أزمة الهوية" هذه التي يبدو أنها تؤثر على مدينة صنعاء القديمة، أو على الأقل على جزء من سكانها، دون ذكر إحدى العمليات الرئيسة لإعادة التركيب الاجتماعي والمكاني الحالي، ففضلا عن الهجرات وتحولات المناظر الطبيعية هنالك التغيرات في الأنشطة التجارية. ويكثر النقاد حول هذه النقطة. ومن خلال انفتاح المدينة على الممارسات التجارية والمنتجات المستوردة، فإن ذلك قد يولد عدد من الاضطرابات في مجال العلاقات الاجتماعية المهنية. "كالظهور التدريجي لانهيار التضامن الاجتماعي وانتشار ظاهرة الفردية وغموض الممارسات بعد أن نفذ الحرفيون السابقون استراتيجيات تجارية تنافس بشكل مباشر منتجات السوق"، (Mermier، 1989). وبعد مرور خمسة عشر عاماً على هذه الملاحظة، لا يبدو أن هذه الاضطرابات قد تزايدت فحسب، وفقًا لتوقعات الأشخاص الذين أجريت معهم المقابلات، بل إن ظواهر مرتبطة بها ومترافقة مع الانفتاح الاقتصادي أدت إلى تفاقم الوضع. وتتمثل هذه التحديات في استخدام السيارات (13)، التي كثيرا ما تتعرض للانتقاد، وزيادة التجارة غير الرسمية، نتيجة للصعوبات في دمج سكان الحضر الجدد في سوق العمل وإفقار الطبقات الوسطى (Destremau، 2001). وقد تحدث أحد الحرفيين من سوق الملح بشدة عن هذه الأنشطة الجديدة وأنماط الإنتاج والاستهلاك الجديدة قائلا:

"لاستعادة هوية المدينة القديمة، يجب أن يمنع دخول المركبات. ويجب أيضًا إخراج جميع المنتجات الأمريكية والصينية من السوق. وقبل كل شيء، يجب إنشاء أماكن خاصة للباعة المتجولين حتى لا يزعجوا أولئك الذين هم مقيمون في السوق منذ زمن بعيد".

إذا تمسكنا بالخطب المجمعة من النخب الفكرية والمرجعيات الدينية والمشايخ والتجار والحرفيين، فإن مدينة صنعاء القديمة يجب أن " تستعيد هويتها" (14). ولكن حتى في ظل مظاهر إنتاج التخطيط الحضري أو حملات إنقاذ المدينة القديمة، فإننا ندرك بسرعة أن هناك نية مخفية مشابهة تماما. وسواء كان الأمر يتعلق بإخلاء الباعة المتجولين، وهو على ما يبدو أمر قطعي منذ عام 2001 (15)، أم التدمير المستمر لبعض المباني التي بنيت في الستينيات أم مشاريع الترميم وإعادة التأهيل المختلفة للمباني القديمة، فإن الحجج التي تضفي الشرعية على هذه الإجراءات تعتمد على الحفاظ على (أو إحياء) هوية المدينة (16)، ومن ثم ترسيخ التمدن التقليدي كنوع من الهوية المثالية...

إذا، هل الهوية في خطر؟ يبدو لنا أن هذه الفرضية الكارثية ليست ذات أهمية كبيرة. إن القراءة العلمية لهذه المشاريع تدفعنا أن نرى فيها تعبيراً عن إرادة سياسية للحفاظ على هوية زائفة، أو، كما لاحظ بي. جيرفي-لامبوني بالإشارة إلى مدن جنوب أفريقيا، "طريقة يتلاعب بها الفاعلون السياسيون بالهويات لمحاولة استحداث مناطق" (P. Gervais-Lambony، 2004). ولذا فإن استغلال الهوية أمر ممكن: يكفي البدء من بعض السمات العامة المتعلقة بالتحضر المحلي والسياقي، التي لا يمكن لأحد أن ينكر وجودها أو حتى استمرارها، وترسيخها بوصفها أساطير أو رموزاً تكون بمثابة ذريعة لمشروع سياسي كبير، على الرغم من أنه ليس موحدًا في كثير من الأحيان(17).

وعلى الرغم من هذه المماثلة الضرورية لـ "أزمة الهوية" في المدينة القديمة، فمن الواضح أن هناك فرقا واضحا، من حيث وتيرة البناء وتطور الهويات، مع الصنعانيين خارج حدود المدينة.

في الأحياء المحيطة: التنوع وتقارب الهويات

إن النمو الحضري لصنعاء وإعادة تشكيل المناطق حسب العمل يؤدي إلى تعديل العلاقة المكانية وتوسيع المساحة المعيشية لسكان المدينة ومن ثم إلى تحول ما يسميه جي دي ميو "البنية الفوقية المكانية الفردية" (G. Di Meo، 1998)، وهذا يعني إضافة مساحة المعيشة والمساحة الواقعية (المساحة التي أعيد بناؤها ذهنيا من قبل الأفراد). ومما لا شك فيه أن هذا التوسع في الممارسات الفردية يرتبط بتنوع أشكال التنقل في المدينة. فمن ناحية، أسهم اعتماد المناطق المحيطة بوصفها أماكن تجارية مهمة في زيادة الهجرات التنقلية، بين أماكن النشاط (وظائف جديدة تولدها أسواق المداخل الجديدة للمدينة على سبيل المثال) التي تبعد تدريجيا عن أماكن السكن. ومن ناحية أخرى، فإن التكثيف المستمر لحركة الآليات وفتح خطوط مستقيمة في أحياء الأطراف المنفصلة عن الشارعين الدائريين الكبيرين في المدينة (الخط الدائري والستين، راجع الشكل رقم 1)، عمل على تنمية الروابط بين الفئات الاجتماعية المختلفة، وزاد القدرة الفردية للأعمال المتنوعة في المدينة. وفي هذا السياق، تظهر شبكة من الأماكن المختلفة نسبيًا المرتبطة بالممارسات المكانية اليومية للسكان. ومن ثم يمكن ملاحظة الميل - في ضواحي صنعاء - نحو ظهور هويات متنوعة تتجلى تحديدا في إعادة إنتاج الأنظمة الاجتماعية المكانية التقليدية (أسواق القات، على سبيل المثال). وكذلك في أماكن ذات طابع خارجي، مثل أشكال الأماكن التجارية الجديدة وأشكال الأماكن الترفيهية (انظر اللوحة ب).

الظاهرة الأولى التي لوحظت هي إعادة إحياء المناطق المميزة للواقع الحضري الصنعاني التقليدي. إذ لا تزال الأسواق العامة وأسواق القات هي المناطق التي تتطور فيها معظم العلاقات الاجتماعية، ولها مكانها إلى حد كبير في المناطق المحيطة بصنعاء (ضواحي صنعاء). وقد لعب انتقال سكان وسط المدينة إلى أطرافها دورًا مهمًا في الحفاظ على هذه المساحات الرئيسة للحياة الاجتماعية، كالمكان الذي تم تركه للمبادرات الخاصة في الإنتاج الحضري. وهكذا، وعلى سبيل المثال الحصبة، ومذبح، وهما المنطقتان الواقعتان على التوالي في الشمال والشمال الغربي من المدينة، التي يسكنها بشكل رئيس سكان المناطق الحضرية الجديدة. وتمثل الأسواق جميع خصائص سوق الملح، ابتداء من تنظيم شبكة الطرق إلى المنطقة وحتى تخصص الأنشطة (انظر الشكل رقم 4). وبالمثل، فإن سوق القات في منطقة عصر الواقعة على طريق الحديدة، أو حتى سوق مذبح (انظر الشكل رقم 5)، تقدم ترتيبا يذكرنا بساحات أبواب المدينة القديمة (التي قلصها التحضر حتى أصبحت اليوم عبارة عن نقاط بيع صغيرة). وقد رسخت هذه الميزات فرضية نقل الأنشطة من المركز إلى الأطراف، ومن ثم التطور الدائر للهويات المناطقية.
الظاهرة الثانية التي لوحظت هي الإقبال الكبير على المراجع الخارجية في الثقافة الحضرية للأفراد، كالمراجع الغربية فيما يخص كيفية الاستهلاك، والمراجع المصرية والسورية-اللبنانية للأنماط الثقافية. وعملت هذه الثقافات المستوحاة من الخارج التي اختلطت مع الهويات اليمنية والمحلية الراسخة على توسيع - بشكل كبير- المجال المرجعي لكل مستهلك في المناطق المحيطة، فلم يعد يقتصر على السوق والمسجد، إذ دفعته إلى استهداف مناطق يومية جديدة،(1995Depaule,). ومن الأماكن التي تبلور فيها هذه الممارسات - يمكننا أن نذكر بوضوح - المجمعات التجارية الكبيرة والسوبر ماركت الموجودة بكثرة على جوانب شارع الزبيري، وشارع حدة، والخط الدائري، وشارع عبد المغني (انظر شكل رقم 6)، وأيضاً حدائق الملاهي التي يوجد منها ثلاث حدائق في صنعاء (انظر الشكل رقم 7)، فضلا عن المقاهي العراقية أو اللبنانية الكبيرة وأماكن الوجبات السريعة الجديدة.

إن استهداف هذه الأماكن أو ارتيادها الذي يعد من جهة تصرف متوارث، وذا تأثير خارجي من جهة أخرى، إذا أمكننا تبسيطها بهذه الطريقة، يتم دون إقصاء، وفي الغالب، دون رفض واضح للتحضر القديم. وتؤكد تعليقات السكان هذه الملاحظة الواقعية، ومن خلال خطابات السكان ينبثق الشعور بتهجين الهوية الذي تم إنشاؤه من خلال تجاور هاتين العينتين من المناطق. ولدعم هذا التحليل، إليكم مقتطف من مقابلة أجريت مع أحد التجار الموجودين على طريق المطار شمال المدينة:

"الحي الذي أعيش فيه ليس مجهزًا كما هو الحال في جنوب المدينة، ولكننا محظوظون بوجود حي جيد، ومنازل حديثة ومتينة، ووجود أفضل أنواع القات في المدينة في سوق الحصبة وبالنسبة للتسوق للعائلة بأكملها فالسوبر ماركت كذلك قريب جدا". 

يكشف هذا الخطاب وحده عن التنوع المرجعي، وتنوع مناطق الحياة وثراء بناء الهوية التعددية بشكل أساس الذي يبين الأماكن الكبيرة المحيطة بمدينة صنعاء.

ومع ذلك، ولكي نختم الحديث حول هذه النقطة، يجب أن يكون هذا التهجين الجديد للهوية، المولود من الالتقاء بين هذه الأجهزة الاجتماعية المكانية المختلفة، متوائم أو مماثل فيما يتعلق بالتطورات الحالية في المجتمع الحضري. إن زيادة الفوارق في الثروة، من خلال لعبة إفقار الطبقات الوسطى وظهور برجوازية جديدة، وخضوع الفئات الاجتماعية بشكل متزايد، كل من جانبها، في المشاركة المجتمعية وفي تراجع الهوية، يكسر الروابط العضوية بين الأحياء المختلفة ومن ثم يمنع انتشار روابط اجتماعية جديدة. وهذه الظاهرة ملموسة أيضًا في تكاثر الجيوب السكنية الخاصة بالأغنياء (راجع أعلاه) مما يظهر رفضًا شبه كامل لأشكال التحضر التقليدية، وكذلك في عزلة الأحياء المحرومة التي غالبًا ما تكون متهالكة ومتجاوزة للمناطق المحيطة.

اللوحة ب: الأماكن "الموروثة" و"الخارجية" في أطراف صنعاء
الشكل رقم 4. سوق الحصبة الواقع شمال صنعاء.

6.png

الشكل رقم 5. سوق القات في مذبح (الواقع شمال غرب صنعاء).

7.png

الشكل رقم 6. محلات تجارية ومساكن جديدة في شارع حدة (الواقع جنوب غرب صنعاء).

8.png

 الشكل رقم 7. منتزه عصر الترفيهي (الواقع غرب صنعاء).
تصوير: رومان ستادنيكي (Roman Stadnicki, 2007)

10.png

هوية الحدود؟

في هذا السياق الحضري المتغير وأمام هذه الفسيفساء الهوياتية الجديدة كليا، نجد أن الأشكال المكانية ليست بأي حال من الأحوال محددة. بل إنها في بعض الأحيان يمكن أن تثير القلق بسبب عدم وضوحها وعدم اكتمالها. ومن ثم، يعترف الجغرافيون بأن العتبات التي تعرف أيضًا بالواجهات أو المساحات المتوسطة، ما هي إلا أماكن اتصال انتقالية مميزة. وهكذا، فإن مساحات بوابات المدينة القديمة مثل (باب اليمن في الجنوب، وباب شعوب في الشمال، وباب السبح في الغرب، المعروفة بالمساحات الرئيسة التي ظلت محافظة على دورها مداخل إلى المدينة القديمة). تظهر هذه المساحات كأماكن تفرقة وأماكن للتواجد المشترك بين الأشكال المختلفة للهويات المذكورة أعلاه. وعملت هذه الأماكن التي تعد أحياناً مساحات للتجاور وللقاءات، وأحياناً مساحات للصراعات والحذر، على تسليط الضوء على المواجهات الفردية ومواجهات الفئات الاجتماعية بين المدينة القديمة وصنعاء الجديدة.

لقد حاولنا بالفعل إثبات أن هذه المساحات تجمعت حول عدد معين من الخصائص المتعلقة بما أطلقنا عليه "تأثير الباب" الذي تعود أهميته إلى تداخل المناطق الداخلية والخارجية، وتكثيف عملية التسوق والتعايش بين الأنشطة المتنوعة في هذه الأماكن (Stadnicki, 2006a). وتنشأ من هذا التكوين الخاص أشكال جديدة من التواصل الاجتماعي التي تندرج في الغالب في التقارب المادي للأنشطة التجارية الناتجة عن الامتداد السوقي من ناحية، والاقتصاد الرأسمالي من ناحية أخرى. ففي خارج باب اليمن، على سبيل المثال، ظهرت مؤخراً سلسلة من ممرات المشاة بين شارع الزبيري ومحطة الحافلات. وقد استثمر هذه الممرات الحرفيون من صناع الجنابي (18) الذين غادروا سوق المدينة القديمة بسبب ضيق المساحة، وسرعان ما انضم إليهم بائعو الأحزمة الجلدية المصنوعة في تايوان. وقد أفضى تعاونهم بهدف ملائمة "الحديث" مع أسلوب اللباس الصنعاني إلى تضامنًا تجاريا جديدًا في مناطق صغيرة نشأ من خلال التفاعل بين نظامي الإنتاج والتوزيع. هذا الشكل من الهوية، الذي يمزج قيم الثقافة الدولية والميراث اليمني، وهذه "المجموعة العرقية الحضرية الجديدة" (Hourcade,2004)، التي تم رصدها أيضًا في بعض المناطق النائية، لها قدر كبير من الظهور في هذه المساحات الانتقالية، التي ليست قديمة تمامًا ولا جديدة تمامًا، ولكنها مركبة الى أبعد حد.

على العكس من ذلك، يمكن أن تحدث استراتيجيات التجنب أو الحذر وحتى النزاعات من التشابك الداخلي- الخارجي. سنعيد طرح مثال سبق طرحه بالفعل في مكان آخر ولكنه مهم جدا (Stadnicki, 2006a). أصبح باب شعوب، الباب الشمالي القديم للمدينة، في غضون سنوات قليلة مكانًا معترفًا به على مستوى المدينة لإمكانات العمالة الذي يبلغ عددهم في المتوسط حوالي خمسين في اليوم الواحد​، جميعهم ينحدرون من مناطق ريفية ما بين قريبة وبعيدة - يمثلون الأفراد المهاجرين من الريف و/أو السكان العائدون من المملكة العربية السعودية -  ويتمركزون في مفترق طرق كبير (تقاطع شوارع) يقع بالقرب من موقع الباب القديم، في انتظار العمل اليومي في مهن مختلفة مثل (الدهان، والبناء، والتغطية، والسباكة، والكهرباء، إلخ). ومع ذلك، فإن الأرصفة التي يشغلونها هي أيضًا بمثابة واجهة لعشرات من متاجر الذهب وصياغة المجوهرات التي تم إنشاؤها في ذلك المكان لالتقاط العملاء المحتملين قبل تغلغلهم داخل السوق الرئيس للمدينة القديمة. ويدعي هؤلاء التجار الأقدمية في الوجود في تلك الأماكن، ويتهمون العمال بتشويه صورتهم، وجودة مهارتهم: حتى أن أحد أولئك التجار قال للعمال " إنها ليست منطقتكم! وليست حتى مدينتكم!". يتمسك تجار وصائغي المجوهرات بالمنطقة كضامنين لـ "روح الأماكن" ولا يبدو أنهم مستعدون "للتبادل" مع العمال. أما العمال، من جانبهم، فيعملون بشكل يومي في منطقة أخرى يستحوذون عليها من خلال النضال ويؤكدون عليها من خلال الصراع، حاملين في أعقابهم الإحباط من هوية مفروضة تشجعهم على تشكيل مجتمعات بدلاً من الاندماج.

باختصار، تظهر مساحات بوابات مدينة صنعاء على أنها "نموذج مختصر" للهويات الحضرية الصنعانية في حال عدم انتقال كلي للمركزية في المدينة، وفي حال إعادة التأثير الجذري لتنظيمها، وهذا شيء متوقع أيضا في سياق حضري متحرك، وستظل هذه المساحات مسرحا للمواجهة الهوياتية التي حدثت في التعايش دون صدام أو في الصراع المناطقي، وستظل أيضا مساحات تحقيق متميزة لمراقبة الديناميكيات الاجتماعية.

الخاتمة 

في اليمن، على الرغم من بقاء الهويات المناطقية متجذرة جيدًا، فإن الهوية الصنعانية تتميز بالديناميكيات الحضرية الرئيسة، من خلال إعادة تركيب مناطق المدينة وبعض أشكال التحديث. لم تلغِ هذه العمليات هذه الهوية، على عكس ما يوهمنا به الخطاب التحذيري حول حماية التراث، على سبيل المثال، لكنها ضاعفتها، بإضافة أشكال من المؤانسة والمقاومة أو الانسحاب. "فضلا عن عمليات التحضر والانفتاح المرتبطة بالعولمة، ويتنامى، داخل المدينة، منطق الانفصال والحدود الحضرية الجديدة" (Prévôt-Schapira, 2002). لم تخالف المساحة الحضرية للعاصمة اليمنية هذه القاعدة. إنها أكثر أو أقل تجزئًا، على المستوى المكاني وعلى المستوى الاجتماعي، في حين تنشأ في أحضانها أشكالًا مناطقية جديدة ملائمة ومطلوبة بشدة، وأحيانًا مدافع عنها، حتى جعلت من صنعاء فسيفساء هوية غير مسبوقة. إن التحولات الاجتماعية المكانية الرئيسة التي شهدتها المدينة في العقود الأخيرة لم تفكك - على الإطلاق - بناء الهوية، ولم تأخره كذلك. ويتمثل المنحى الوحيد المسلم به في هذه التفاوتات في تطورات الهوية بين المدينة القديمة وصنعاء الجديدة، التي يمكن تفسيرها مرة أخرى بطريقتين: أولاً من خلال البحث الفردي عن العلامات المكانية المشكلة للهوية، من العلامات المناطقية غير القابلة للتغيير - وهو الدور الذي يبدو أن الحدود القديمة لصنعاء قد اتخذته بالإجماع - في مواجهة تشتت المدينة الذي قد يبدو مقلقًا؛ وثانيًا من خلال استغلال السلطات للمدنية التقليدية وتكريسها لتكون هوية مثالية تجمد المدينة القديمة وتضفي عليها طابعًا محيرًا بعيدًا عن الواقع المعاصر للممارسات الحضرية.

وفي الختام، نستخلص من هذه الدراسة فكرتين مهمتين: أولاً، تبدو العلاقة بالمنطقة عنصرا أساسا في الهوية الحضرية. فكلما تعقدت وتنوعت هذه العلاقة أكثر (التمدد، والتفكك، وأنماط جديدة لتشكيل المكان، إلخ) كلما تعددت الهوية الحضرية. ولكن إذا أدركنا في المنطقة نفسها قدرة معينة على تشكيل الهويات، فإننا نلاحظ مع ذلك نظامًا معقدًا للتفاعلات بفضل المعاملة بالمثل الأكثر نشاطًا، حيث توجد عوامل الهوية الجماعية التي تشكل المساحة والحدود والانفتاح والحركة. ومن ثم فإن الحدود الحضرية والضواحي في حالة تغير مستمر. وفي حين يتم تمييعها أو (إعادة) ولادتها، فإنها (تعيد) تشكيل معنى في تمثيلات الفضاء الحضري. ثانيًا، لا يرتبط اللاعبون في المجتمع الحضري نفسه بهوية واحدة بشكل جوهري. فنادراً ما يساوي مجموع الهويات الفردية المتعددة هوية جماعية. وتتمثل الصعوبة في تحليل كيفية التقاء هذه الهويات وملاحظة الخصائص المحددة للمناطق التي تتجمع فيها.

المراجع

DEPAULE Jean-Charles, 1995, « Sanaa, des territoires quotidiens », in Gilbert GRANDGUILLAUME, Franck MERMIER et Jean-François TROIN, Sanaa hors les murs, Sanaa/Tours, URBAMA/CFEY : 143-163.

DESTREMAU Blandine, 2001, « Baladiyya ! De l’informalité à l’illégalité : les brouettes de Sanaa’« , Chroniques yéménites 9 : 117-132.

DI MEO Guy, 1998, Géographie sociale et territoires, Paris, Nathan Université, 320 p.

— 2004, « Composantes spatiales, formes et processus géographiques des identités », Les annales de géographie 638-639 : 339-362.

GERVAIS-LAMBONY Philippe, 2004, « De l’usage de la notion d’identité en géographie. Réflexions à partir d’exemples sud-africains », Les annales de géographie 638-639 : 469-488.

HAEGEL Florence et LEVY Jacques, 1998, « Une lecture spatiale des identités », in Nicole HAUMONT (dir.), L’urbain dans tous ses états, Paris, L’Harmattan : 203-220.

HOURCADE Bernard, 2004, « La recomposition des identités et des territoires en Iran islamique », Les annales de géographie 638-639 : 511-530.

KOPP Horst et WIRTH Eugen, 1994, Sanaa. Développement et organisation de l’espace d’une ville arabe, Sanaa/Aix-en-Provence, CFEY/IREMAM, 125 p.

MERMIER Franck, 1989, « Des artisans face aux importateurs ou l’ange maudit du souk », Peuples méditerranéens 46 : 155-164.

— 1997, Le Cheikh de la nuit, Arles, Actes Sud, 256 p.

NAVEZ-BOUCHANINE Françoise, 2002, « Fragmentation spatiale et urbanité au Maghreb », in Françoise NAVEZ-BOUCHANINE (dir.), La fragmentation en question, Paris, L’Harmattan : 153-193.

PAQUOT Thierry, 2002, « Ville fragmentée ou urbain éparpillé ? », in Françoise NAVEZ-BOUCHANINE (dir.), La fragmentation en question, Paris, L’Harmattan : 113-117.

PREVOT-SCHAPIRA Marie-France, 2002, « Buenos Aires, entre fragmentation sociale et fragmentation spatiale », in Françoise NAVEZ-BOUCHANINE (dir.), La fragmentation en question, Paris, L’Harmattan : 195-207.

STADNICKI Roman, 2006a, « Des portes de Sanaa aux nouvelles entrées de la ville : re-formation d’espaces de sociabilités », Espaces et Sociétés 126 : 119-138.

— 2006b, « Bâb al-Yaman. Persistance des représentations et force symbolique de la porte Sud de Sanaa », Chroniques yéménites 13 : 111-129.

TOUBER Julie, 2004, The Scale of Planning Development Policies in the Developing World: The case of Sana'a, New York, Columbia University, 96 p.

TROIN Jean-François, 2004, « L’identité arabe : de l’espace de la nostalgie aux territoires en mouvement », Les annales de géographie 638-639 : 531-550.

الهوامش

  1. Roman Stadnicki, « Ṣan‘â’ : limites de la ville et identités urbaines », Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée [En ligne], 121-122 | 2008, mis en ligne le 14 décembre 2011, consulté le 24 septembre 2024. URL : http://journals.openedition.org/remmm/4873 ; DOI : https://doi.org/10.4000/remmm.4873

  2. توفر بعض الدراسات المزيد من العناصر حول هذا الموضوع. يمكننا أن نذكر دراسة ميرمييه (F. Mermier, 1997) حول المجتمع الحضري لصنعاء القديمة، فضلا عن دراسة توبر (2004 J. Toober, ) حول تعريف هوية حضرية جديدة نشأت من خلال العلاقات الجديدة الحضرية/ الريفية في صنعاء.

  3. بين عامي 2004 و 2006، أجريتُ خمسين مقابلة شبه موجهة مع سكان المدينة (الحرفيين والتجار والموظفين وحتى السكان البسطاء) الذين لهم ممارسات مكانية واسعة النطاق التي تمحورت على مستويات مختلفة من الإعداد الحضري (الشارع، والحي؛ ووسط المدينة، ومحيط المدينة، والمدينة القديمة والأحياء الجديدة) تم تسخير وقت كبير للمقابلة بالطريقة التي كان يقدم بها الأفراد مناطقهم بشكل يومي، ولكن أيضًا وعلى وجه الخصوص المساحات الأخرى للمدينة. وسُجلت الملاحظات ليس فقط في أسواق المدينة القديمة، بل في المراكز الحيوية للأحياء المحيطة وبطريقة منهجية كبيرة، حول المساحات "المحادة" لأبواب المدينة، وذلك للتركيز على الأشكال المتعلقة بالتواصل الاجتماعي وتمركز الأنشطة الناتجة عن الالتقاء بين مجموعتين اجتماعيتين- مكانيتين مختلفتين تماما.

  4. قبل ثورة عام 1962، كان مرسوم القانون القبلي المتعلق بالـ(جورة) يحظر على الفلاحين الذين كانت أرضهم تمتد إلى تخوم المدينة بيع الأرض إلى سكان المدينة حسب ما ذكره كوب و ويرذ (Kopp, Wirth, 1994) . وهذا ما يفسر سبب عدم توسع المدينة خارج حدودها التقليدية قبل الثورة ويفسر أيضا سبب الانفجار الحضري العشوائي جدا بعد الثورة.

  5. إعادة التقسيم المناطقي، إعادة إعداد الخطة الرئيسة، واستبدال البلدية (البلدية التي أنشأتها الأتراك) بأمانة العاصمة (أمانة مدينة صنعاء، أي ما يعادل محافظة حضرية).

  6. يوضح الفيلسوف تييري باكوت أن التوترات يمكن أن تنتج في الوقت نفسه عن "الحنين للشكل المثالي للمدينة وعن التنوع المذهل للمجموعات الاجتماعية المكانية، كل واحدة منها تفضل طريقة من التواصل الاجتماعي الذي يعتمد في بعض الأحيان على خصوصية مجموعة مقارنة بالأخرى" (2002Paquot,).

  7.  شهدت صنعاء ظاهرة اجتماعية مكانية خلال السنوات الخمسة عشر الماضية، تترجم الحركة السوقية وبشكل أساس بطريقتين: امتداد الأنشطة التجارية إلى بعض المناطق السكنية (شمالًا وشرق المدينة القديمة)، والانتقال إلى أماكن أصبحت استراتيجية من خلال التطور الأخير لصنعاء في (الجنوب والغرب).  إن تسرب بعض العائلات التي لم يعد لديها الإمكانات للمكافحة ضد اكتظاظ الشوارع، والزيادة في عدد المركبات وإضرار الضوضاء هي نتيجة مباشرة للحركة السوقية (2006. (Stadnicki,

  8.    إن من بين أكثر العناصر الملموسة للتحديث، الزيادة في عدد السيارات، وتكاثر الأشكال التجارية الجديدة (محلات السوبر ماركت)، وتوحيد العمارة الحضرية، وهي أيضًا الأكثر إدانة من قبل السكان الشهود على بدايات الانفتاح الاقتصادي لليمن والهيكلة الحالية للمناطق المحيطة بصنعاء (المصدر: المقابلات الشخصية). 

  9. إن التقسيم بحسب الجنس للأماكن العامة في صنعاء ليس كلي، كون الرجال موجودين بإعداد لا بأس بها أيضا في شارع جمال في المساء. وبالمثل، فإن تواجد النساء في المساحات الذكورية في الغالب، على سبيل المثال في أسواق القات لم يعد عملا نادرا.

  10.  لم تتطرق هذه الدراسة إلى النقاش حول وحدة المدن التاريخية في العالم العربي والإسلامي. ولم تهدف الدراسة إلى تحديد ما إذا كانت مدينة صنعاء القديمة تمثل "جمعا" موحدا - أو ربما كانت تمثلها في الماضي - في مواجهة حضرية جديدة، غير متناسبة ومفككة. انما اكتفيت من خلال هذه الدراسة بتناول قراءة استطرادية قدمت، إن صح التعبير، بعض الميزات العامة التي تسمح لنا بتسليط الضوء على اتجاه اجتماعي أقل ما يقال عنه أنه "عام".

  11.  وهو الاتجاه الذي لاحظه بالفعل فرانك ميرمييه في أواخر الثمانينات (1989Mermier,). 

  12.  الأحياء السكنية شبه الخاصة النموذجية للمدن العربية الإسلامية.

  13.  تدخل المدينة القديمة مئات المركبات في اليوم، وهناك اختناق في نقل البضائع بين مستودعات الموجودة في المناطق المحيطة وبين بسطات المحلات، مما أدى إلى انقطاع التحميل في أبواب المدينة.

  14. لن نعود إلى هذه الرؤية المتخلفة بشكل مفرط التي تهدف إلى تعزيز أسطورة معينة للمدينة القديمة، وهي رؤية متكررة من مدينة إلى أخرى التي أشار اليها تييري باكو Thierry Paquot)) في بداية هذا المقال.

  15. الإجراء الذي يندرج، وفقًا للسلطات، في مبادئ "القانون الحكومي حول الحفاظ على الصحة والنظافة" لعام 1999. 

  16. الذي يفترض مرة أخرى أنها موجودة بالفعل.  

  17. لقد أتيحت لنا بالفعل الفرصة لإظهار أن السلطات البلدية كانت تختبئ وراء مشروع تراثي لإعادة بناء الأسوار من أجل إنشاء مبعدات مادية للسكان المحرومين والريفيين والباعة المتجولين (b2006Stadnicki,).

  18. الخنجر التي كان يرتديه رجال شمال اليمن.

content

يعمل المركز، على إثراء البحث في القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، في اليمن والمنطقة العربية، وتعزيز فهم تلك القضايا والأحداث المرتبطة بها من خلال الأبحاث والدراسات الميدانية المعمقة، والتقارير والإصدارات المتنوعة، وأوراق السياسات العامة، والكتب العلمية المُحَكّمة، وعقد المؤتمرات وورش العمل والندوات المتخصصة، وبرامج التدريب ودعم قدرات البحث العلمي.